الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري

شم النسيم: بالمختصر المفيد


يحتفل المصريون جميعًا كل عام بعيد الربيع، وتبلغ ذروة الاحتفال باليوم المسمى شم النسيم، ويتم تداول العبارة على أنها عبارة عربية، حيث شم من الفعل يشم، والنسيم أي الهواء العليل. والواقع أن هذا المفهوم غير صحيح تمامًا، فالعبارة قبطية اللغة في الأساس، والنطق القبطي لها "شُم إن نِسْيم šwm nnicim"، وتعني بستان الزروع. وقد تحورت على ألسن المصريين لاحقًا لتصبح شم النسيم.
وفي هذا اليوم يخرج المصريون جميعًا، مسلمين ومسيحيين، إلى الحدائق والبساتين أو القناطر الخيرية والنيل للاحتفال بالطبيعة في مظهر بديع، في يوم تملؤه البهجة والفرحة مع أكل الأسماك المملحة بشتى أنواعها والبيض الملون والخس والبصل وغيرها.
فهل نعرف ماذا حدث لشم النسيم من تطور تاريخي، وكيف أصبحت له صبغة دينية؟ وما دلالة البيض الملون وأكل الأسماك عند المصريين سواء القدماء أم المسيحيين منهم بعد اعتناقهم المسيحية لاحقًا؟
احتفل المصري القديم بشم النسيم منذ ما يقرب من 4700 عام على الأقل، مما يعني عنده بداية الربيع فيما يعرف بالانقلاب الربيعي، وهو اليوم الذي يتساوى فيه الليل والنهار وقت حلول الشمس في برج الحمل. ويبدأ الاحتفال بإهداء زوجته زهرة اللوتس كدليل للمحبة، ثم يأخذ في الاحتفال مع أسرته بشم النسيم بالخروج إلى النيل والبساتين مع أكل الأسماك المملحة التي اختزنها في موسم الصيد من نهر النيل، أما أكله للبيض الملون فيرمز للحياة والبعث من جديد، حيث كان يعتقد أن العالم في الأصل بيضة كبيرة الحجم ثم انقسمت إلى جزأين، السماء في نصفها العلوي والأرض في السفلي؛ لذا اعتبرها أصل الحياة ورمز استمراريتها.
ومع دخول المسيحية مصر على أيدي القديس مرقس عام 60م وانتشارها في القرون الأولى للميلاد، استمر المصريون في احتفالاتهم بشم النسيم؛ غير أن الكنيسة تنبهت إلى أن شم النسيم فلكيًا يقع داخل الصوم الكبير، الذي يستمر 55 يومًا، ومن ثم لن يتمكنوا من أكل الأسماك أو البيض أو أية منتجات حيوانية، لأن فلسفة الصوم في المسيحية لا تجيز أكل اللحوم والأسماك والألبان والبيض وشتى المنتجات الحيوانية أثناء الصوم. وكان هذا يعني أن المصريين لن يحتفلوا بشم النسيم حسبما اعتادوا.
فجاء البطريرك ديمتريوس الكرَّام (189- 232م) واستدعى الفلكي المصري بطليموس الفرماوي، نسبة لمدينة الفرما شمال سيناء، وأعادا الحسابات الفلكية فيما يعرف باسم الحساب الإبُقطي Epacte أو حسبة الكرْمة، بحيث يقع عيد القيامة بعد الاحتفال بعيد الفصح اليهودي، حيث إن المسيح قام بعد عيد الفصح اليهودي، حسب الأناجيل الأربعة. وهذا يعني أن عيد القيامة يجب أن يقع خلال الفترة من أبريل إلى أوائل مايو؛ كما اتفقا-طبقًا لحسبة الكرمة-على أن الاثنين التالي مباشرة لأحد عيد القيامة يكون يوم شم النسيم. 
وفي مجمع نيقية المسكوني الأولى الذي عقد عام 325م لمناقشة القضية الأريوسية، والذي حضره 318 أسقفًا يمثلون شتى كنائس العالم، حيث كان للوفد المصري برئاسة البطريرك أليكسندروس اليد الطولى هو وسكرتيرة أثناسيوس، تم توحيد موعد عيد القيامة بين كافة الكنائس العالمية، طبقًا للحساب الإبقطى المصري.
ومنذ مجمع نيقية المسكوني الأول، أصبح شم النسيم يقع الاثنين التالي مباشرة لأحد عيد القيامة حتى عام 1582م؛ حيث قام البابا جريجوري الثالث عشر، بابا روما، بإعادة الحسابات الفلكية ثانية مما ترتب عليه تغييرًا في موعد عيد القيامة عند كنيسة روما ولم يعد موحدًا بين الشرق والغرب منذ ذلك الوقت.
  جدير بالذكر أنه أصبح للأقباط فلسفة خاصة بشم النسيم تنطلق من المسيحية حيث يقول البابا شنودة الثالث-رحمه الله-في أقواله أن البيض يلون باللون الأحمر ليرمز إلى الفداء، أما البيض نفسه فيرمز للقيامة وللقبر والحياة التي كانت بداخله، أو كما نقول في الإسلام يرمز لخروج الحي من الميت. 
أما أكل السمك فقد حمل فلسفة مسيحية أيضًا حيث إنه-حسب إنجيل يوحنا الإصحاح 21-صاد الرسل السمك بحضور السيد المسيح-بعد قيامته-عند بحيرة طبرية وأكلوه بعد أن وزع عليهم بنفسه الخبز والسمك. 
وبهذا، أصبح لشم النسيم فلسفة دينية عند الأقباط، وفلسفة حياتية عند بقية المصريين تستمد جذورها من المصري القديم، حيث يتشاركون الفرحة بهذا العيد ابتهاجًا بالربيع والحياة التي منحنا الله إياها.