الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري

منال الشرقاوي تكتب: تحولات في صناعة الأفلام بعد جائحة كوفيد-19

منال الشرقاوي
منال الشرقاوي

لقد وقف العالم مشدوهًا أمام جائحة كوفيد-19 التي فرضت نفسها كقوة مدمرة ليس فقط للاقتصاد العالمي بل وللثقافات والفنون، وعلى رأسها السينما التي شهدت تحولات جذرية أعادت صياغة مفهوم الفن السابع وطرق تقديمه واستهلاكه. فبعد الجائحة، لم تعد السينما كما كانت عليه قبل أن يجتاح العالم ذلك الوباء الذي غيّر ملامح الحياة. تسليط الضوء على التحولات التي شهدتها صناعة السينما يوفر رؤى مهمة حول مستقبل هذا الفن.
في البداية، تجدر الإشارة إلى كيفية تأقلم السينما العالمية مع الواقع الجديد. فقد رأينا كيف انتقلت السينما بشكل متسارع نحو المنصات الرقمية، وهو ما يُمثل ثورة في حد ذاته، فلم تعد الأفلام مقصورة على دور العرض المظلمة، بل أصبحت تُعرض في المنازل عبر شاشات تمتاز بالدقة والوضوح. 
خلال وبعد الجائحة، ظهرت توجهات نحو أفلام تعكس موضوعات تتعلق بالعزلة، الوباء، والتحديات النفسية، إلى جانب استمرار الاهتمام بالأفلام التي توفر الهروب من الواقع أو الترفيه. أفلام مثل "Locked Down" و"Songbird" التي تناولت أحداث مباشرة متعلقة بالجائحة هي أمثلة على هذا التوجه، كما استطاعت السينما أن تعبر عن تجارب الجائحة بشكل غير مباشر من خلال طرحها لمجموعة من الأفلام التي استكشفت موضوعات تمس الواقع الجديد الذي خلفته الأزمة. ففيلم "Another Round" تناول بحساسية مسألة العزلة والوحدة، في حين غاص فيلم "I'm Thinking of Ending Things" في أغوار الخوف والقلق الذي خيم على النفوس بتأثير من الجائحة. أما فيلم "Nomadland" فقد قدم لنا صورة بالغة العمق عن التأثير الاجتماعي والاقتصادي للجائحة، مبرزًا كيف غيرت الأزمة من أنماط حياة الناس ومنظورهم تجاه الاستقرار والتجول. ولم يغفل الفن عن تقديم الأمل والتفاؤل في ظل تلك الظروف القاهرة، حيث جاء فيلم "Soul" ليسلط الضوء على البحث عن معنى الحياة والسعي نحو الأمل في أحلك الأوقات. كل هذه الأفلام، بما حملته من رؤى وأفكار، تُظهر بجلاء كيف أن الفن السينمائي لم يتوانَ عن مواكبة الأحداث والتعبير عنها بأسلوب يرقى إلى مستوى التحديات التي فرضتها الجائحة على الإنسانية جمعاء.
ثم جاء التحول نحو العروض الرقمية والافتراضية، حيث بدأت دور السينما والمهرجانات الفيلمية في اعتماد العروض الافتراضية والبث المباشر كجزء من تجربة العرض. هذا التحول أدى إلى تغيير في التقنيات والمنصات المستخدمة لعرض الأفلام، وقد شهدت عمليات التوزيع تغييرًا جذريًا حيث أصبحت المنصات الرقمية هي القناة الرئيسية لإطلاق الأفلام الجديدة. هذا التغيير أثر على النموذج الاقتصادي لصناعة الأفلام وأعاد تشكيل الديناميكيات التقليدية للسوق. كما تأثرت طرق الإنتاج بشكل كبير بالجائحة، حيث اعتمد صانعو الأفلام على تقنيات تمكن من التباعد الاجتماعي وتقليل الفرق في مواقع التصوير. استُخدمت تقنيات مثل الواقع الافتراضي والمؤثرات الخاصة المتقدمة لتعويض القيود المفروضة على التصوير الحي.
بعد الجائحة، كان من الطبيعي أن يُظهر الجمهور اهتمامًا متزايدًا بالمحتوى القابل للتدفق وأفلام النيتش التي تستهدف جماعات معينة بديلاً عن الإنتاجات الضخمة التي تستهدف جماهير واسعة، خاصة بعد ان اتجهت بعض شركات الإنتاج السينمائي إلى سياسة جديدة في توزيع أفلامها، حيث بدأت في إصدار أفلام "ليوم واحد فقط" عبر منصات البث المباشر، بديلاً عن عرضها التقليدي في قاعات السينما. هذا التوجه، وإن كان قد ساهم في تعزيز إيرادات هذه الشركات في الأمد القصير، إلا أنه يُلقي بظلال من القلق على مستقبل صناعة السينما برمتها على المدى الطويل.
إن هذا التحول في استراتيجيات العرض والتوزيع قد يؤدي إلى إعادة تشكيل عادات الجمهور وتوقعاته، مما قد يُضعف من قيمة تجربة السينما التقليدية ويهدد استمرارية دور العرض السينمائي كمكان اجتماعي وثقافي مهم.
إن التحول الذي شهدته السينما في ظل الجائحة لم يكن مجرد تغيير في أدوات العرض، بل كان أعمق من ذلك بكثير، إذ تعلق بأسس تفاعل الجمهور مع الأعمال الفنية، وكيف أن السينما، هذا الفن العظيم، قد تحولت من مجرد وسيلة للتسلية إلى منصة للتعبير عن الآراء السياسية والاجتماعية، ومرآة تعكس حال المجتمع وتطلعاته وآلامه.
إن هذه التحولات تعد بمثابة فجر جديد للفن السابع، حيث تتلاقى فيه التقنيات الجديدة مع الأفكار الجريئة لتُنتج سينما تحمل في طياتها التحدي، الابتكار، وعمق الرؤية. وفي هذا التجديد،نتمنى أن تظل السينما، كما كانت دومًا، مرآة الحياة، لكن بزوايا نظر أوسع وأعمق.


-