مع بداية كل عام جديد، نجد أنفسنا أمام تفاصيل لا إرادية تتشكل في أذهاننا المزدحمة بالأفكار، ودائماً ما تكون بين واقع معاش وخطط للمستقبل المأمول. هذه التفاصيل تتدفق ملامحها المرسومة بألوان تأسرنا رمزيتها، وهي تنعكس على مشاعرنا المتداخلة.
فاللون الأخضر يرمز عند الغالب الأعم إلى ما تم تحقيقه من إنجازات وأحلام، أما الأصفر فهو لون التحدي والفرص القائمة - لكنها متعثرة وغير محسومة - ويمر هذا اللون المثير كضوء الشمس الساطع أمام كل مسؤول عن أسرة؛ لأنه يلهمه ويدفعه إلى محاولة التركيز في إنهاء مشاريعه المعلقة. بيد أننا لا نستطيع إغفال تلك المساحات التي يغزوها اللون الرمادي؛ لون الضغوط المتراكمة وضجيج الأعباء التي قد تكون أثقلت بعض الكواهل في أعوام مضت، وتبدو كغيمة تحجب الرؤية وتغذي أفكاراً سوداوية دخيلة على إيماننا الراسخ.
وهنا تحديداً، ونحن على أعتاب عامنا الجديد، تبرز حاجتنا الماسة لسيادة اللون الأزرق؛ لون السماء التي لا تحدها حدود، والسكينة التي تفيض من اليقين المطلق في تدابير الخالق، حيث يتلاشى الضباب أمام شمس التوكل؛ لنستقبل عام 2026 بقلوب تؤمن أن من بيده ملكوت كل شيء، هو وحده القادر على أن يجعل من العام الجديد ميلاداً حقيقياً للأمل. هذا الانتقال من ضبابية الرمادي إلى رحابة الأزرق ليس مجرد ترفٍ فكري، بل هو ضرورة نفسية أكد عليها رائد علم النفس الإيجابي "مارتن سيلجمان"، حين صاغ مفهوم "التفاؤل المتعلم"؛ على أساس أن الضغوط التي تحيط بنا ليست قدراً محتوماً للاستسلام، بل هي اختبار لقدرتنا على إعادة توجيه دفة الأفكار. كما يخبرنا "سيلجمان" أن الفرق بين من يستسلم للضغوط وبين من يعبرها نحو الإنجاز، يكمن في "المنظور الإدراكي"؛ فالمتفائل يرى الأزمات مجرد سحابة عابرة (عوامل مؤقتة)، بينما يراها المتشائم حالة دائمة تحاصر مستقبله.
لذا، فإن استراتيجية البداية المثلى لعام 2026 تتطلب منا تبني ما يسميه علماء النفس بـ "نموذج الازدهار"، والذي يبدأ بالامتنان لما تحقق (اللون الأخضر) ليكون وقوداً لمواجهة (تحديات الأصفر). إنها دعوة لكل مسؤول عن أسرة ألا يحمل أعباء العام فوق ظهره دفعة واحدة، بل أن يجزئ الأهداف إلى خطىً صغيرة، مدركاً أن قوة الإرادة وممارسة الأمل هي ترياق الصمود أمام تقلبات الحياة.
وعندما تستسلم أرواحنا لسطوة اللون الأزرق، فنحن لا نختار لوناً فحسب، بل نختار الانعتاق من ضيق ذواتنا إلى رحابة ملكوت الخالق. إن هذا اللون هو صدى اليقين الذي يهمس في قلوبنا بأن ما استعصى علينا تدبيره، قد فُرض تقديره بلطف خفي لا ندركه. إنني هنا، ومن فوق عتبات العام الجديد، لا أجد لقلب كل رب أسرة يصارع أمواج المسؤولية أصدق من هذه المنحة الربانية، التي تُعيد رسم ملامح المستحيل في عيوننا، لتبدو ممكنةً وقريبةً جداً.. حيث يقول الحق سبحانه وتعالى في محكم آياته بسورة الطلاق: بسم الله الرحمن الرحيم {لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا}. صدق الله العظيم.
تأملوا معي روعة "لَا تَدْرِي"؛ فهي ليست تجهيلاً لنا، بل هي إعفاء لعقولنا المنهكة من عناء التفكير في غدٍ ليس ملكنا. إنها دعوة لسيادة اللون الأزرق في أرواحنا، لنبصر خلف غيوم الرمادي "أمراً" يتهيأ في الخفاء؛ فرجاً يطرق الأبواب، أو حلماً يولد من رحم العثرات. فليكن عامنا 2026 هو عام "الأمر المحدث"، وعام اليقين بأن يد الله تعمل دائماً لصالحنا، حتى وإن غابت عن مداركنا الأسباب.