قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

محمد مندور يكتب: سلطنة عمان.. سياسة الحكمة والتوازن

محمد مندور
محمد مندور

في مشهد إقليمي شديد الاضطراب تختلط فيه الصراعات السياسية بالتجاذبات الاقتصادية تبرز سلطنة عمان كنموذج مختلف.. دولة اختارت منذ وقت مبكر أن تؤسس سياستها الخارجية على الحكمة والتوازن.. وأن تجعل من السلام ركيزة للاستقرار.. ومن الانفتاح الاقتصادي بوابة للتنمية المستدامة. هذا التلازم بين السياسة الرشيدة والاقتصاد المنفتح هو أحد أسرار الثقة التي تحظى بها عمان عربيا ودوليا.
السياسة العمانية لم تبن على ردود الأفعال الآنية، بل على تراكم تاريخي وفلسفة واضحة تقوم على احترام القانون الدولي، وعدم التدخل في شؤون الدول، وتغليب الحوار على الصدام. وقد أثبت هذا النهج أنه لا يحمي الاستقرار السياسي فحسب بل يخلق أيضا بيئة آمنة وجاذبة للاستثمار.. وهو ما تدركه السلطنة جيدا في عالم بات الاقتصاد فيه مرآة للاستقرار السياسي.
من وجهة نظر الكثير من المؤرخين وخبراء السياسة أن الجغرافيا لعبت دورا محوريا في تشكيل هذا الوعي. فعمان، المطلة على أهم الممرات البحرية، أدركت منذ القدم أن الانفتاح على العالم ليس خيارا، بل قدرا. 

ومن تواصلها المبكر مع حضارات كبرى مثل مصر القديمة وبلاد الرافدين والهند وفارس، تشكلت لديها ثقافة التبادل لا الإقصاء، والشراكة لا الهيمنة. هذه الثقافة نفسها انتقلت من البحر إلى السياسة، ومن السياسة إلى الاقتصاد.
أما في العصر الحديث، تبرز شخصية مهمة في التاريخ العماني، وهو السلطان الراحل قابوس بن سعيد، الذي أسس مدرسة سياسية واقتصادية متوازنة، جمعت بين الاستقلال في القرار والانفتاح على العالم، وبين التمسك بالثوابت وبناء علاقات دولية قائمة على الثقة. واليوم، في عهد جلالة السلطان هيثم بن طارق، تتجسد هذه الرؤية بشكل أوضح عبر سياسات إصلاحية وتشريعية تهدف إلى تنويع الاقتصاد، وتقليل الاعتماد على النفط، وفتح آفاق أوسع أمام الاستثمار المحلي والأجنبي.
مواقف عمان من أزمات المنطقة — في اليمن والسودان والصومال وغزة — تعكس فلسفة واحدة مفادها أنه لا استقرار بلا عدالة، ولا تنمية بلا سلام. فالدولة التي ترفض التدخلات الخارجية وتقف مع حق الشعوب في تقرير مصيرها، هي ذاتها التي تدرك أن الحروب والصراعات تطرد الاستثمارات وتبدد الفرص وتدخل الدول في دوامات استنزاف لا تنتهي.
من هنا، يمكن فهم فلسفة عمان القائمة على الانفتاح الاقتصادي بوصفه امتدادا طبيعيا لسياستها الخارجية. فالسلطنة توفر بيئة استثمارية تتسم بالأمن والاستقرار، وتشريعات مرنة، وبنية لوجستية متقدمة، وموانئ ومناطق اقتصادية مرتبطة بشبكات التجارة العالمية. 
وليس مصادفة – بحسب تعبير صديقي سعادة السفير عبد الله بن ناصر الرحبي سفير سلطنة عمان بالقاهرة ومندوبها الدائم بالجامعة العربية - أن تشهد السلطنة تزايدا ملحوظا في الاستثمارات العربية، ومن بينها استثمارات مصرية، تبحث عن أسواق مستقرة وشركاء موثوقين. نعم ليست مصادفة بل هي خطوات مدروسة تعكس انفتاح السياسة العمانية اقتصاديا وسياسياوهو ما يعزز من صورتها كدولة منفتحة يمكن الوثوق بها سياسيا واقتصاديا. فالمستثمر لا يبحث فقط عن أرقام وحوافز بل عن مناخ عام يتسم بالاستقرار واحترام القانون ووضوح الرؤية.. وهي عناصر باتت مرتبطة بالاسم العماني في الوعي الإقليمي والدولي.
الحقيقة أن سلطنة عمان تقدم نموذجا نادرا في المنطقة.. سياسة خارجية هادئة لا تنجر إلى الصراعات.. واقتصاد منفتح يدعو إلى الشراكة لا المغامرة.. ودولة تفهم أن السلام ليس قيمة أخلاقية فقط بل شرط أساسي للتنمية وجذب الاستثمار.