لم تعد كلمة الأب في وعي المجتمع مرادفًا تلقائيًا للأمان كما كانت، ولم يعد البيت دائمًا ذلك الملاذ الدافئ الذي تُغلق خلفه الأبواب على الطمأنينة. صرنا نقرأ عن أب يحبس ابنته حتى تموت جوعًا، وآخر يقتل أبناءه انتقامًا من أمهم، وثالث يحوّل بيته إلى ساحة عقاب لأنه فشل في زواج لم يعرف كيف يديره. جرائم لا تُرتكب في الأزقة المظلمة، بل في قلب البيوت، وعلى أيدي من خُلقوا ليكونوا حماة لا جلادين.
السؤال المؤلم ليس في عدد هذه الجرائم، بل في معناها: كيف يتحول من يُفترض به أن يكون مصدر الرحمة إلى أداة انتقام؟ ومتى فقدت الأبوة جوهرها الإنساني؟ في كثير من هذه الوقائع لا يكون الدافع فقرًا ولا اضطرابًا مفاجئًا، بل شعورًا مشوّهًا بالسلطة والملكية. أب يرى أبناءه امتدادًا لمعركته مع الأم، لا أرواحًا مستقلة لها حق الحياة. ينظر إليهم كوسيلة ضغط أو كرهائن في حرب انفصال لم ينضج أصحابها نفسيًا لإدارتها. تختفي الأبوة هنا، وتبقى الهيمنة، ويتحوّل البيت من مساحة أمان إلى مسرح عقاب.
الانفصال في ذاته ليس جريمة، فالعلاقات قد تفشل كما تفشل التجارب البشرية كلها، لكن تحويل الأطفال إلى أدوات للثأر هو الجريمة الكبرى. في بعض العقول غير الناضجة يُفرَّغ الألم في الأضعف، ويتحوّل الفشل العاطفي إلى رغبة في التدمير، ويُسقَط الغضب من الشريك على الأبناء. كأن الطفل يُعاقَب لأنه يشبه الطرف الآخر، أو لأنه يذكّر الأب بما خسره، فيصبح الانتقام أقوى من الرحمة، وأقسى من أي رابط دم.
وسط هذا المشهد المؤلم يبرز سؤال مشروع: ألسنا بحاجة إلى وعي نفسي يسبق الزواج كما تسبق بعض الفحوص الطبية خطوات العمل أو السفر؟ ليس الهدف تعقيد الحياة ولا وضع الحواجز أمام الارتباط، بل حماية من سيدفعون الثمن لاحقًا، وهم الأطفال. تقييم نفسي بسيط قد يكشف اضطرابات غضب حادة، أو ميولًا عدوانية، أو أنماط سيطرة مرضية، أو عجزًا عن إدارة الخلاف. هذه ليست عيوبًا أخلاقية بقدر ما هي مؤشرات تحتاج وعيًا وتأهيلاً قبل أن تتحول إلى كوارث إنسانية داخل البيوت.
أما الاكتفاء بالوعظ وحده، رغم أهميته، فلم يعد كافيًا. نحتاج إلى حملات توعية حقيقية بمعنى المسؤولية الأبوية، إلى تعليم مهارات إدارة الغضب والخلاف، إلى ترسيخ فكرة أن الطفل ليس ملكًا لأحد، وأن البيت ليس منطقة مغلقة على الألم مهما اشتد. نحتاج إلى إدخال مفاهيم الصحة النفسية في التعليم والإعلام، وإلى كسر الصورة الزائفة التي ترى في القسوة نوعًا من التربية.
الأبوة ليست لقبًا بيولوجيًا، بل وظيفة أخلاقية ونفسية. ليست كل الجرائم خارج القانون، فبعضها يُرتكب تحت سقف البيت وباسم “أنا أبوهم”. وحين تتحول الأبوة من حضن إلى سكين، ومن حماية إلى انتقام، نكون أمام أزمة وعي قبل أن نكون أمام حوادث فردية. فالأب الحقيقي لا ينتقم من أطفاله، ولا يجعلهم يدفعون ثمن معاركه، ولا يحوّل الحب إلى أداة عقاب. الأبوة رسالة، ومن لم يحتمل ثقلها، لا يحق له أن يحمل اسمها.