لم يعد ممكنًا التقليل من خطورة ما يتشكل على الساحة الدولية، ولا الاستخفاف بالتحليلات التي ترى في سلوك الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مدخلًا حقيقيًا لانهيار النظام الدولي القائم، وربما لانفجار صراع عالمي واسع النطاق. فالمشهد لم يعد مجرد تصريحات شعبوية أو مناورات انتخابية، بل بات يعكس نزعة استعمارية صريحة، تهدد بتفكيك حلف شمال الأطلسي "الناتو" وإشعال صدامات غير محسوبة العواقب.
والواقع أن ترامب ومنذ توليه السلطة، يتعامل مع أوروبا بمنطق الإهانة والابتزاز، سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا. كما أن تهديده بفرض رسوم جمركية قد تصل إلى 200% على الواردات الأوروبية، وخصوصًا الفرنسية، لم يكن مجرد ضغط تفاوضي، بل رسالة إذلال مباشر لحلفاء تاريخيين. أما إصراره على ضم جزيرة غرينلاند التابعة للدنمارك، فهو أول مسمار حقيقي يدقه رئيس أميركي معاصر في نعش حلف الناتو، الحلف الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية كرمز لانتصار الغرب وصعود الهيمنة الأمريكية.
الاندفاع الأمريكي نحو غرينلاند ليس مسألة أمنية كما يزعم ترامب، بل اعتداء سافر على سيادة دولة أوروبية، وقرار متهور قد يصلح لسيناريو فيلم هوليوودي، لكنه على أرض الواقع يفتح أبواب الفوضى.
وقد كان الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون محقا، حين قال إن ترامب يؤسس لـ"عالم بلا قانون"، وأن الرسوم الجمركية الأمريكية أداة تهدف بشكل علني إلى إخضاع أوروبا وإضعافها، محذرًا من عودة الطموحات الإمبريالية وتصاعد النزعة الاستبدادية وعدم الاستقرار على مستوى العالم.
والخطورة هنا، أن هذا الانفلات لم يعد يطال دول العالم الثالث وحدها، كما الحال في غزة وايران بل بدأ يستهدف قلب العالم الأول نفسه.
شهية ترامب التوسعية لا تقف عند غرينلاند. فالرجل يتصرف بعقلية استعمارية بدائية، سبق أن مارسها تجاه فنزويلا حين قام بتنصيب نفسه حاكم مؤقت، واختطف الرئيس المنتخب مادورو وسط صمت دولي مريب بحجة "الشيوعية". لكن أوروبا ليست فنزويلا، وركل الدنمارك قد يفتح الباب –منطقيًا– لابتزاز لندن ثم باريس بعد ذلك وقد يطلب ضمهما، وهذا ليس من باب المبالغة أو السخرية.
المفارقة الأخطر، أن روسيا دخلت على الخط، مستثمرة هذا الجنون الأمريكي. فلوّحت موسكو بإمكانية التحرك في غرينلاند إذا لم تُحسم المسألة أمريكيًا، في رسالة تحريض واضحة تستهدف خلخلة الناتو ودفعه نحو الانقسام وربما التفكك. وهكذا الأوروبيين باتوا محاصرين بين مطرقة ترامب وسندان التمدد الروسي، فيما الحلف الأطلسي يتآكل من الداخل.
ما يقوم به ترامب ليس فقط استعمارًا فجًّا، بل حماقة سياسية مكتملة الأركان. فهو يحرق أوروبا، أكبر داعم للإمبراطورية الأميركية على مدى 75 عامًا، ويفتح جبهة صراع اقتصادي ستنعكس آثارها المدمرة على واشنطن نفسها قبل غيرها. الرسوم الجمركية، والتهديدات العسكرية، وسياسة فرض الأمر الواقع، كلها أدوات ستضرب الاقتصادين الأمريكي والأوروبي معًا.
وداخليًا، يبدو أن الحزب الديمقراطي إما عاجز عن مواجهة حماقات ترامب ومغامراته، أو أنه يراهن على تورطه في مغامرة كبرى تنتهي بفضيحة سياسية مدوية. فرغم القوة الأمريكية الهائلة، فإن إشعال حرب عالمية جديدة لا يضمن هذه المرة انتصارًا أمريكيًا سهلًا، خصوصًا في عالم متعدد الأقطاب، سريع الاشتعال.
نزوات ترامب لا تقتصر على أوروبا. فقد ظهرت بوضوح في الشرق الأوسط، من غزة إلى ما يسمى بـ"مجلس سلام غزة"، وهو كيان غامض دعا إليه ترامب خارج أطر الأمم المتحدة، وهدد بفرض عقوبات اقتصادية على فرنسا إذا رفضت الانضمام إليه. تصريحاته المهينة بحق ماكرون، وتهديده بفرض رسوم 200% على النبيذ والشمبانيا الفرنسية، تعكس عقلية بلطجة سياسية لا إدارة دولة عظمى.
الأخطر من ذلك كله، هو خطابه التوسعي الصريح، حين نشر صورًا معدلة تظهر كندا وفنزويلا وغرينلاند ملوّنة بألوان العلم الأمريكي، في إيحاء فجّ بضم هذه الدول أو السيطرة عليها. كما أن حديثه المتكرر عن جعل كندا "الولاية الحادية والخمسين"، لم يعد مزحة ثقيلة الظل، بل استفزاز خطيرًا يمس سيادة الدول ويهز أسس العلاقات الدولية.
إن سعي ترامب، للتحول إلى نسخة أمريكية جديدة من هتلر، وبناء مستعمرة كبرى تمتد من فنزويلا إلى غرينلاند وكندا، لن يمر دون كلفة باهظة. وهذه التوجهات السوداء تستدعي معارضة دولية وأمريكية حقيقية، قبل أن يُدفع العالم كله إلى الهاوية.
أمسكوا ترامب، وحاصروا نزواته، قبل أن يضرب العالم في مقتل ويدفع الجميع الثمن.
إبراهيم شعبان يكتب: انهيار الناتو وشهية المحتل الأمريكي