يبدو أن ساحات العالم التقليدية كـ الشرق الأوسط وآسيا لم تعد ترضِ شهية الفاعلين الدوليين أو لاعبيه الرئيسيين، لذلك ، اتجهوا إلى ساحة أخرى لطالما كانت هادئة بطبيعتها خاملة بتضاريسها، وهي القطب الشمالي، الذي أصبح يشهد سخونة أحداث لا مناخ ، جرينلاند ، أزمة عالمنا المتأزم الجديدة.
أكبر جزيرة في العالم
بالنظر إلى الجغرافيا، تعد جرينلاند أكبر جزيرة في العالم، إذ تبلغ مساحتها أكثر من مليوني كيلومتر مربع، ويبلغ عدد سكانها أكثر من 50 ألف مواطن، وفي عام 1979، حصلت جرينلاند على الحكم الذاتي عقب استفتاء، كما أنها الآن تتمتع بالحكم الذاتي، ولها حكومتها وبرلمانها الخاص.

احتياطيات هائلة من المعادن والنفط والغاز
جيولوجيا، تمتلك الجزيرة احتياطيات هائلة من (نفط وغاز ومعادن نادرة) مثل النيوديميوم والديسبروسيوم، والجرافيت، والزنك، والذهب، التي تدخل في قلب الصناعات الدفاعية عالية التقنية وتقنيات الطاقة المتجددة والبطاريات والمغانط المتقدمة، وهو ما جعل هناك تنافسا دوليا على ثروات الجزيرة غير المستغلة.

ترامب.. والاستحواذ على الجزيرة
ورغم كونها جزءا من قارة أمريكا الشمالية، فإن جرينلاند ارتبطت سياسيا وثقافيا بأوروبا، حتى جاء الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي أعاد طرح فكرة (الاستحواذ على الجزيرة) باعتبارها أهمية استراتيجية عليا" لواشنطن ولقبها بالذهبية حسبما يقول، متجاهلا الاعتبارات السيادية والقانونية، ومتعاملا مع الجزيرة بمنطق الصفقة لا الدولة.

هيمنة أمريكية على جرينلاند
ترامب، الذي يرى في جرينلاند مفتاح السيطرة على الممرات القطبية ومخزونا هائلا من الثروات الطبيعية والمعادن النادرة، مارس ضغوطا مباشرة على الدنمارك، مطالبا بالتنازل عن الجزيرة أو الدخول في ترتيبات تضمن (الهيمنة الأمريكية) عليها، خطاب أعاد إلى الأذهان أساليب التوسع القديمة، وأثار موجة رفض وغضب داخل العواصم الأوروبية، التي رأت في الطرح الأمريكي تهديدا مباشرا للأمن الأوروبي ولتوازنات القطب الشمالي الحساسة.

حضور عسكري أوروبي على الجزيرة
الرد الأوروبي لم يأت بالكلمات وحدها، بل ترجم على الأرض، فباريس وبرلين، بدعم أوروبي أوسع، اختارتا (الحضور العسكري) الرمزي كرسالة ردع سياسية، تؤكد أن جرينلاند ليست أرضا بلا صاحب، وأن أوروبا لن تسمح بإعادة إنتاج منطق فرض الأمر الواقع في واحدة من أخطر مناطق العالم استراتيجيًا. الرسالة كانت واضحة: القطب الشمالي ليس ساحة مفتوحة لهيمنة واشنطن، بل مجالًا متعدد الأطراف تحكمه السيادة والقانون الدولي.

السيطرة على الموارد وطرق التجارة الجديدة
وبالنظر إلى كل ما سبق، فإن عسكرة القطب الشمالي اليوم لا تنفصل عن سباق عالمي محموم (للسيطرة على الموارد وطرق التجارة الجديدة) التي يفتحها ذوبان الجليد، فـالولايات المتحدة، وروسيا، والصين، وأوروبا، جميعها ترى في المنطقة مستقبل الاقتصاد والأمن العالمي، غير أن الأسلوب الأمريكي القائم على الضغط والابتزاز السياسي، بحسب الرؤية الأوروبية، يهدد بتحويل القطب الشمالي إلى بؤرة صراع مفتوح، بدلا من أن يكون ساحة تعاون دولي.

لم يعد القطب الشمالي فضاء جغرافيا متجمدا خارج حسابات السياسة الدولية، بل تحول إلى ساحة صراع مفتوح تتزاحم فيها الجيوش، وتتصادم عندها الطموحات، وتعاد فوق جليدها كتابة خرائط النفوذ العالمي، وفي قلب هذا المشهد المتوتر، تقف جزيرة جرينلاند كأخطر نقاط الاشتباك الجيوسياسي بين الولايات المتحدة وأوروبا، في لحظة تكشف هشاشة النظام الدولي أمام منطق القوة والهيمنة.