كشف فريق بحثي من جامعة بيتروزافودسك الروسية عن مقبرة أثرية غامضة قرب بحيرة أونيغا، ثاني أكبر بحيرة في أوروبا، تحمل دلائل قوية على وجود شبكة تجارة واسعة تعود إلى نحو 5400 عام، في اكتشاف يعيد كتابة ملامح الاقتصاد في عصور ما قبل التاريخ بشمال القارة الأوروبية.
المقبرة التي عثر عليها في موقع «ديريفيانوي الحادي عشر» لا تضم أي هياكل عظمية، لكنها احتوت على مجموعة منظمة من القطع المستوردة والمواد الطقسية، في مشهد غير مألوف للدفن في تلك الحقبة.
كنز من الكهرمان بلا رفات
ورغم غياب الجسد، كشفت الحفريات عن وجود 137 قطعة من الكهرمان البلطيقي، معظمها على هيئة أزرار وأقراص صغيرة، إلى جانب شفرات صوان دقيقة وأدوات أخرى.
وقد وُضعت هذه القطع بعناية في طبقتين أفقيتين محكمتين، بعضها كان مخيطًا على مواد عضوية اندثرت مع الزمن، بحسب ما أورده موقع «ديلي جالكسي».
مواد مستوردة من مئات الكيلومترات
وأظهرت تحاليل الكهرمان أنه من نوع «سوكسينيت» المتحجر منذ نحو 44 مليون عام، ويتطابق مع رواسب موجودة في شبه جزيرة سامبيا وغرب لاتفيا، على مسافة تتجاوز 900 كيلومتر من موقع المقبرة، ما يؤكد استيراد هذه القطع عبر مسافات بعيدة.
أما شفرات الصوان، فترجع مصادرها إلى شمال بيلاروسيا وشمال بولندا، في مؤشر واضح على شبكة تبادل لم تكن محلية النطاق.
مركز إنتاج محلي يرتبط بالتجارة
وتقع المقبرة على بعد 100 متر فقط من منطقة نشطة لإنتاج أدوات الأردواز، تضم فؤوسا شبه مصقولة، وأقلاما إسفينية الشكل، ونوى مهملة.
وأشارت التحليلات إلى أن هذه الأدوات صنعت بتقنيات نحت بالضغط تتطلب مهارة عالية، ما يرجح وجود مركز إنتاج محلي مرتبط بالمقبرة، ربما كان يبادل الأدوات عالية الجودة بمواد مستوردة مثل الكهرمان والصوان.
دفن استثنائي لمكانة اجتماعية خاصة
وعلى خلاف المقابر الجماعية المعروفة في المنطقة، تميزت هذه المقبرة بكثافة القطع الأثرية وفصلها المكاني، وهو ما يوحي بأنها تعود إلى فرد ذي مكانة اجتماعية مرموقة، ربما كان يتمتع بحقوق إنتاج خاصة أو وصول مميز إلى شبكات التبادل بعيدة المدى.
بحيرة أونيغا شريان تجاري قديم
وتشير الدراسات إلى أن بحيرة أونيغا، المتصلة بأنظمة نهرية تمتد إلى بحر البلطيق وبحر الأبيض، كانت تتيح النقل الموسمي بالقوارب، ما يفسر انتقال السلع لمسافات طويلة في عصر لم يعرف الطرق البرية المنظمة ولا نظم الكتابة.
أدلة على الإقامة المحلية رغم الاستيراد
كما كشف تحليل التربة عن تركيزات مرتفعة من الزرنيخ، تتوافق مع تكوينات طبيعية محلية، وهو ما يعزز فرضية أن الشخص المدفون كان مقيما دائما في المنطقة، رغم دفنه بمواد مستوردة من مناطق بعيدة.
أبحاث مستمرة لفك اللغز
ولا يزال الفريق البحثي يواصل أعمال الحفر في ورش العمل المجاورة، إلى جانب إجراء دراسات كيميائية ونظيرية لتحديد المواد العضوية المستخدمة في الدفن، وتحليل زخارف الكهرمان لمعرفة ما إذا كانت تنتمي لأنماط التجارة المعروفة في شمال أوروبا أو تمثل استثناء محليا فريدا.
إعادة رسم اقتصاد ما قبل التاريخ
ويعيد هذا الاكتشاف النظر في فهم الشبكات الاقتصادية لعصر ما قبل التاريخ، وتحديدا الحقبة النحاسية ـ الحجرية، إذ يكشف عن تداول سلع عالية القيمة مثل الكهرمان والصوان عبر مسافات تتجاوز 900 كيلومتر، ما يدل على وجود نظام تجاري أكثر تعقيدا وتنظيما مما كان يعتقد سابقا.





