شهد الذهب خلال الفترة الأخيرة صعودًا غير مسبوق، ليصبح واحدًا من أكثر الأصول جاذبية للمستثمرين حول العالم. فقد تجاوز سعر الأوقية الواحد من المعدن الأصفر حاجز 2950 دولارًا في فبراير/شباط 2025، مدفوعًا بتزايد التوترات الجيوسياسية، التضخم المرتفع، والسياسات الاقتصادية لإدارة ترامب. هذا الصعود القياسي لم يقتصر على الأسواق الفورية فحسب، بل شمل أيضًا صناديق الاستثمار والبنوك المركزية التي تتسابق لشراء الذهب كملاذ آمن.
يعد الذهب منذ عقود أداة تحوط ضد المخاطر الاقتصادية والسياسية، ويستمر في إثبات قيمته كأصل مستقر نسبيًا مقارنة بالأسواق المالية الأخرى التي تواجه تقلبات مستمرة. في هذا التقرير، نسلط الضوء على العوامل التي دفعت الذهب للصعود، ونستعرض التوقعات المستقبلية له خلال عام 2025.

خلفية تاريخية عن الذهب
يُعتبر الذهب من أقدم الأصول الاستثمارية في العالم، حيث ارتبط تاريخيًا بالقوة المالية والاستقرار الاقتصادي. منذ بداية القرن الحادي والعشرين، شهد الذهب عدة موجات صعود وهبوط تأثرت بالأزمات المالية العالمية، أسعار الفائدة، وأسواق العملات. ومع تصاعد المخاطر الاقتصادية العالمية، مثل التضخم وارتفاع الديون الحكومية، يعود المستثمرون إلى الذهب باعتباره ملاذًا آمنًا يحمي أصولهم من الانخفاضات الحادة في الأسواق الأخرى.
على سبيل المثال، خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008، سجل الذهب ارتفاعًا كبيرًا مع تراجع الأسهم والعملات. كما أن ارتفاع الدولار الأمريكي أو انخفاض معدلات الفائدة غالبًا ما يؤثران إيجابيًا على أسعار الذهب، مما يعزز دوره كأداة تحوطية في المحافظ الاستثمارية.
العوامل المؤثرة على صعود الذهب في 2025
في عام 2024، ارتفع الذهب بنسبة أكثر من 25%، مدفوعًا بعدة عوامل رئيسية:
- التوترات الجيوسياسية: الصراعات العالمية وعدم الاستقرار السياسي جعل المستثمرين يفضلون الذهب كأصل آمن.
- التضخم العالمي: مع ارتفاع الأسعار وارتفاع تكلفة المعيشة، يبحث المستثمرون عن حماية لقيمة أموالهم.
- السياسات الاقتصادية الأميركية: إدارة ترامب وسلسلة قراراتها الاقتصادية أثارت القلق بشأن الاستقرار المالي، مما دفع المزيد نحو الذهب.
- الديون الأميركية: تجاوز الدين الفيدرالي الأميركي 36 تريليون دولار، مع توقعات بأن تتجاوز مدفوعات الفوائد السنوية تريليون دولار خلال العقد المقبل، وهو ما يزيد من المخاطر المالية ويعزز الطلب على الذهب.
- مشتريات البنوك المركزية: البنوك المركزية حول العالم تستمر في شراء الذهب لتعزيز احتياطاتها، مما يدعم الأسعار.
توقعات أسعار الذهب خلال عام 2025
يرى كبار المحللين أن الذهب سيستمر في الصعود خلال 2025، رغم احتمالية حدوث تصحيحات سعرية طفيفة:
- لوسيانو دوكيه من “C3 Bullion” يرى أن الذهب قد يواصل ارتفاعه بوتيرة أبطأ بعد أي تصحيح قصير الأمد، متوقعًا وصوله إلى 3000 دولار منتصف العام.
- بافان جاين من جامعة “Virginia Commonwealth” يتوقع أن يصل الذهب إلى نطاق 3200 - 3300 دولار، مدعومًا بمشتريات البنوك المركزية والطلب المستمر من صناديق الاستثمار.
- غولدمان ساكس رفعت توقعاتها لنهاية 2025 إلى 3100 دولار للأوقية، مشيرة إلى استمرار الطلب القوي من البنوك المركزية كمحرك رئيسي للأسعار
فرص ومخاطر الاستثمار في الذهب
رغم النظرة الإيجابية، يؤكد الخبراء أن الذهب ليس خاليًا من المخاطر. فقد تشهد الأسعار تقلبات قصيرة الأجل نتيجة تغيرات الفائدة، قوة الدولار، أو الأحداث الجيوسياسية.
- جوزيف كافاتوني، كبير استراتيجيي السوق في مجلس الذهب العالمي، يشير إلى أن الطلب على الذهب يتأثر بعوامل متعددة، وليس فقط بأسعار الفائدة أو قوة الدولار.
- دينون هيوز من “Nvest Financial” يرى أن ارتفاع الذهب لا يعني بالضرورة أن الوقت غير مناسب للاستثمار، ويؤكد على أهمية الذهب كأداة تحوط وتنويع للمحفظة الاستثمارية على المدى الطويل.
مع استمرار الأوضاع الاقتصادية المتقلبة وارتفاع الديون الأميركية، يبدو أن الذهب سيظل على المدى القصير إلى المتوسط خيارًا جذابًا للمستثمرين. قد يصل المعدن الأصفر إلى مستويات تاريخية جديدة قد تتجاوز 3500 دولار بحلول نهاية 2025، مع ضرورة متابعة التحولات الاقتصادية والسياسية العالمية التي قد تؤثر على مسار الأسعار.
الذهب يثبت مرة أخرى أنه ليس مجرد معدن ثمين، بل أداة استراتيجية لحماية الثروات، ورافعة أساسية في أي محفظة استثمارية تسعى للتوازن بين المخاطر والعوائد.