قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

روائيون شباب: شخصيات نجيب محفوظ تكاد تتحرك على الورق

معرض القاهرة الدولي للكتاب
معرض القاهرة الدولي للكتاب

عقدت ندوة ضمن محور «جيل يكتب بطريقته»، جاءت لمناقشة أثر «أديب نوبل» على أجيال متتابعة من الكُتَّاب، وكيف ما زالت تجربته حاضرة وملهمة في زمن تتغير فيه أدوات النشر وأنماط القراءة في إطار اهتمام «الصالون الثقافي» بمعرض القاهرة الدولي للكتاب، في دورته الحالية رقم 57، بفتح حوار جاد بين التراث السردي العربي، وتجارب الكتابة المعاصرة، عُقدت ندوة بعنوان «نجيب محفوظ والكتابة الجديدة».

وجاء ذلك بمشاركة عدد من الروائيين والكتَّاب، وإدارة الإعلامية هبة عبد العليم، وسط حضور نوعي وتفاعل ملحوظ من الجمهور.

في مستهل الندوة، قالت الإعلامية هبة عبد العليم إن نجيب محفوظ يمثل حالة فريدة في الأدب العربي، ليس فقط بوصفه الكاتب العربي الوحيد الحاصل على جائزة «نوبل» للآداب، وإنما لتأسيسه مشروعًا سرديًا متكاملًا، استطاع من خلاله أن يلتقط تحولات المجتمعين المصري والعربي، ويصوغها في أعمال تمتد من الواقعية الاجتماعية إلى الرمزية والفلسفية.

عالم ثري

وتحدث الروائي الجزائري أحمد طيباوي عن ارتباط اسمه بنجيب محفوظ، منذ فوزه بجائزة نجيب محفوظ للرواية، عن عمله «السيد لا أحد»، في عام 2015، معتبرًا أن هذا الارتباط مسئولية أكثر منه تشريفًا، خاصة أن «عالم نجيب محفوظ ثري، يستفيد منه القارئ المبتدئ كما يستفيد منه الكاتب الذي قطع شوطًا طويلًا في مساره الإبداعي».

وأضاف «طيباوي» أن من أكثر ما يميّز تجربة «محفوظ» قدرته الدائمة على تطوير أدواته، دون أن يتخلى عن إخلاصه لفكرة الكتابة نفسها، وعن نزعتها الإنسانية العميقة، مؤكدًا أنه بدأ قراءة «أديب نوبل» منذ بدايات علاقته بالقراءة.

ورأى أن جزءًا كبيرًا من انتشار أعمال نجيب محفوظ عالميًا، يعود إلى حرص تلاميذه ومحبيه على الكتابة عنه، إلى جانب حركة الترجمة النشطة لأعماله إلى لغات عدة، في مقدمتها الإنجليزية والفرنسية.

وعن فكرة نشر الرواية مُسلسَلة، أبدى الروائي الجزائري عدم اعتراضه المبدئي على الفكرة، لكنه اشترط أن تكون يومية، معتبرًا أن هذا الأمر يبدو صعب التحقيق في الزمن الحالي.

أولاد حارتنا

من جانبه، كشف الروائي الكويتي عبد الوهاب الحمادي أن بوابته الأولى إلى عالم نجيب محفوظ كانت رواية «أولاد حارتنا»، التي فتحت له آفاقا واسعة لفهم هذا العالم السردي المتشعب، مؤكدًا أنه استفاد بشكل خاص بطريقة «محفوظ» في كتابة المكان، وتوظيفه بوصفه عنصرًا حيًا و بطلًا أساسيًا في العمل.

وضرب مثالًا برواية «زقاق المدق»، التي تكمن عبقريتها في تمكن «محفوظ» من تحويل مكان ضيق لا يتجاوز بضعة أمتار إلى عالم واسع نابض بالحياة، مضيفًا: «نجيب محفوظ حالة خاصة حتى في استخدام التقنيات الفنية، لدرجة أن شخصياته تكاد تُرسَم على الورق لتتحرك أمام القارئ».

وفي رده على سؤال حول تأثير نجيب محفوظ في كتابة الشباب، قال الروائي الكويتي: «هذا التأثير واضح، خاصة في أسلوب الحوارات الفصحى المبسطة، التي تقترب في إيقاعها من العامية دون أن تفقد فصاحتها».

وعن اختفاء ظاهرة نشر الروايات المُسلسَلة كما كان شائعًا في زمن نجيب محفوظ، عبّر «الحمادي» عن أمنيته بعودة هذه التجربة، مع التذكير بأن «أديب نوبل» لم يكن يبدأ في نشر فصول رواياته إلا بعد اكتمالها تمامًا.

كما أبدى رؤية متفائلة تجاه الوسائل الترويجية للأدب، معتبرًا أن الإذاعة لم تنتهِ رغم تراجع جمهورها، وكذلك الصحافة الورقية التي ما زالت حاضرة ومؤثرة.

إطلاق الأحكام

مثل سابقيّها، تحدثت الكاتبة دينا شحاتة عن تأثرها بتجربة نجيب محفوظ، مشيرة إلى أن «محفوظ» كتب القاهرة بوصفها عاصمة مركزية مليئة بالسرديات الكبرى، بينما اتجهت هي في كتابتها إلى المدن الصغيرة، التي يمكن من خلالها رصد تحولات اجتماعية دقيقة ومكثفة.

وأضافت «دينا» أنها تأثرت بفكر «محفوظ» وفلسفته في الكتابة، خصوصًا طريقته في عدم إطلاق الأحكام على شخصياته، وتركها تتكشف للقارئ عبر الفعل والسياق.

وأعربت عن رفضها لنشر الرواية في شكل سلسلة، معتبرة أن ذلك يعرض النص لمخاطر السرقة أو الاقتباس، فضلًا عن أن القارئ المعاصر لم يعد يمتلك الصبر نفسه للانتظار من أسبوع إلى آخر لقراءة فصل جديد، خاصة في ظل تراجع توزيع الصحف الورقية.

ورداً على سؤال من الروائية نورا ناجي  حول رأيها في أعمال مثل «حديث الصباح والمساء»، قالت دينا شحاتة إن «حديث الصباح والمساء» كان عملًا سابقًا لعصره، نظرًا لطريقة كتابة تاريخ الشخصيات بتكثيف مذهل، مؤكدة أنها تعلمت من «محفوظ» أن ينشغل الكاتب بالكتابة وحدها، حتى في لحظات التجريب، دون أن يسمح للتجريب بأن يطغى على جوهر النص.

تعدد الأصوات

أما الكاتبة شيرين فتحي، فأشارت إلى أن علاقتها بنجيب محفوظ بدأت مبكرًا عبر الأعمال الفنية المأخوذة عن رواياته، قبل أن تعود لاحقًا إلى النصوص الأصلية، وتكتشف عمقها السردي، معتبرة أن «محفوظ» شكّل لديها وعيًا مبكرًا بفكرة الحكي، وكيف يمكن للقصة أن تكون بسيطة في ظاهرها، لكنها شديدة التعقيد في داخلها.

وأضافت أن ما جذبها في عالم نجيب محفوظ هو قدرته على منح كل شخصية صوتها الخاص، حتى الشخصيات الهامشية، وهو ما انعكس لاحقًا في اهتمامها بتقنية «تعدد الأصوات» في كتاباتها، سواء في مجموعتها القصصية «عازف تشيللو»، أو في أعمالها الروائية، حيث سعت إلى تفكيك الأزمات الإنسانية داخل الأسرة الواحدة من زوايا متعددة.

ورأت أن قراءة نجيب محفوظ تشبه الدخول إلى عالم مفتوح، يمكن العودة إليه في أي وقت، واكتشاف طبقات جديدة من المعنى، وهو ما يميّز أعماله ويجعلها صالحة للقراءة في كل الأزمنة.

كما رأت أن النشر الورقي ما زال يحتفظ بتأثيره وأهميته، رغم التحولات الكبيرة التي يشهدها المشهد الثقافي.

وردًا على سؤال من الروائية نورا ناجي حول ما إذا كانت القصة القصيرة تعاني في الزمن الحالي، وما إذا كان نجيب محفوظ ما زال يحظى بشهرة بين الأجيال الجديدة، قالت الروائية شيرين فتحي  إن القصة القصيرة تعاني بالفعل من تراجع الاهتمام مقارنة بالرواية، التي أصبحت أكثر طلبًا في سوق النشر، لكنها لاحظت في الوقت نفسه صدور عدد كبير من المجموعات القصصية خلال العام الحالي، ما يشير إلى محاولة استعادة هذا الفن لمكانته.

«النجيب» على الشاشة

في مداخلة أخرى، أشار أحد الحضور إلى أن التأمل في مسيرة نجيب محفوظ يكشف أنه كتب أعمالًا بالغة الأهمية عبر أجيال مختلفة، وأنه لو كان يكتب الآن لكتب بالطريقة نفسها التي ما زالت شابة وقادرة على التعبير عن الحاضر.

كما دار نقاش حول تحويل أعمال نجيب محفوظ إلى أفلام ومسلسلات، وهل أنصفت هذه المعالجات السينمائية والتلفزيونية النصوص الأصلية أم لا. وتباينت آراء المشاركين بين من رأى أنها أسهمت في توسيع دائرة انتشار «محفوظ»، ومن تحفظ على بعض الاختيارات الإخراجية والمعالجات الدرامية.

اختُتمت الندوة بتأكيد أن نجيب محفوظ ليس مجرد اسم في تاريخ الأدب، بل تجربة حية ومتجددة، ما زالت تطرح أسئلة كبرى حول الإنسان والمجتمع والكتابة. وأجمع المشاركون على أن سر خلود «محفوظ» يكمن في قدرته على التجدد، وفي إنسانيته العميقة التي تجعل أعماله قابلة للقراءة والتأويل عبر الأزمنة والأجيال، لتظل الكتابة الجديدة، مهما اختلفت أشكالها، مدينة لهذا المشروع السردي الفريد.