قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

سالي عاطف تكتب: حرب الممرات البحرية تشعل سباق السيطرة حول أفريقيا

سالي عاطف
سالي عاطف

لم تعد البحار والمحيطات مجرد مسارات طبيعية لعبور السفن، بل أصبحت ساحات صراع جيوسياسي حقيقي بين القوى الكبرى. وفي قلب هذا الصراع تقف القارة الأفريقية، التي تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى مركز معركة صامتة على السيطرة على أهم الممرات البحرية في العالم. فالموقع الجغرافي لأفريقيا يجعلها تحيط ببعض من أكثر الطرق البحرية ازدحامًا في التجارة الدولية، وهو ما جعل السواحل الأفريقية محورًا رئيسيًا في معادلة الأمن الاقتصادي العالمي.
تبدأ هذه المعركة عند مضيق باب المندب الذي يفصل بين البحر الأحمر وخليج عدن، ويعد واحدًا من أهم نقاط الاختناق في التجارة العالمية. فوفق تقديرات مؤسسات الطاقة الدولية يمر عبر هذا المضيق ما يقرب من 6 إلى 7 ملايين برميل نفط يوميًا، إضافة إلى آلاف السفن التجارية التي تربط بين آسيا وأوروبا عبر قناة السويس. كما أن ما يقرب من 12% من التجارة العالمية يمر عبر هذا المسار البحري الحيوي، وهو ما يجعل أي اضطراب فيه ينعكس فورًا على الأسواق الدولية.
لكن التوترات الأمنية التي شهدتها المنطقة خلال الفترة الأخيرة دفعت شركات الشحن العالمية إلى إعادة التفكير في طرق التجارة التقليدية. ومع تصاعد المخاطر في البحر الأحمر بدأت أعداد متزايدة من السفن التجارية في تغيير مسارها نحو الطريق الأطول حول جنوب القارة الأفريقية عبر رأس رجاء الصالح. وتشير بيانات شركات الملاحة إلى أن هذا التحول أدى إلى زيادة زمن الرحلة بين آسيا وأوروبا بنحو 10 إلى 14 يومًا، كما رفع تكاليف الشحن بشكل كبير نتيجة استهلاك الوقود والتأمين البحري.
هذا التحول المفاجئ أعاد الأهمية الاستراتيجية للممرات البحرية حول أفريقيا، خاصة في المحيطين الهندي والأطلسي. فالدول المطلة على هذه الطرق البحرية بدأت تدرك أن السيطرة على الموانئ والبنية التحتية البحرية قد تتحول إلى مصدر نفوذ اقتصادي هائل. وفي هذا السياق تسعى دول مثل جنوب أفريقيا إلى تعزيز دور موانئها الرئيسية مثل دربن التي تعد أكبر ميناء للحاويات في أفريقيا، حيث يتعامل مع أكثر من 2.7 مليون حاوية سنويًا، ما يجعله نقطة محورية في حركة التجارة حول رأس الرجاء الصالح.
كما برزت أهمية موانئ شرق أفريقيا في هذا السياق، خاصة ميناء مومباسا في كينيا، الذي يعد أكبر بوابة تجارية لشرق القارة، حيث تعامل مع أكثر من 45 مليون طن من البضائع في عام 2025. ويخدم هذا الميناء شبكة واسعة من الدول غير الساحلية مثل اوغندا  و رواندا  وجنوب السودان .
وفي المقابل تسعى دول أخرى إلى تطوير موانئ جديدة لتعزيز موقعها في هذه المعركة البحرية. فقد استثمرت تنزانيا بشكل مكثف في تطوير ميناء دار السلام ، الذي شهد نموًا سريعًا في حركة الشحن خلال السنوات الأخيرة، بينما تحاول الصومال و اريتريا الاستفادة من موقعهما القريب من البحر الأحمر لجذب الاستثمارات في قطاع الموانئ والخدمات اللوجستية.
هذه التحركات لا يمكن فصلها عن التنافس الدولي على النفوذ في أفريقيا. فالقوى الكبرى تدرك أن التحكم في طرق التجارة البحرية يعني عمليًا امتلاك أدوات ضغط اقتصادية وسياسية على مستوى عالمي. لذلك شهدت السنوات الأخيرة استثمارات ضخمة في الموانئ والبنية التحتية البحرية في القارة، سواء من جانب الصين أو أوروبا أو القوى الإقليمية في الشرق الأوسط.
وتشير تقديرات منظمات التجارة الدولية إلى أن أكثر من 80% من التجارة العالمية يتم نقلها عبر البحار، وهو ما يجعل الممرات البحرية حول أفريقيا عنصرًا حاسمًا في استقرار الاقتصاد العالمي. ومع تصاعد التوترات الجيوسياسية في عدة مناطق من العالم، تبدو هذه الطرق البحرية مرشحة لأن تصبح ساحة تنافس أكبر خلال السنوات المقبلة.
وهكذا تتحول سواحل أفريقيا الممتدة من البحر الأحمر إلى المحيط الأطلسي إلى مسرح لمعركة استراتيجية غير معلنة، معركة لا تُخاض بالسلاح فقط، بل بالموانئ والاستثمارات وشبكات النقل البحري. وبين باب المندب ورأس الرجاء الصالح تتشكل حرب جديدة من نوع مختلف، حرب الممرات البحرية التي قد تعيد رسم خريطة التجارة العالمية وتضع أفريقيا في قلب معادلة القوة الاقتصادية في القرن الحادي والعشرين