قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

وائل الغول يكتب: القنبلة الموقوتة.. هل تنفجر من داخل إسرائيل؟

وائل الغول
وائل الغول

عشرات من الحريديم يقتحمون منزل قائد في الشرطة العسكرية الإسرائيلية، يوفال يامين، بينما كانت عائلته بالداخل.

لم يكن هذا مجرد احتجاج… بل لحظة كاشفة.

لحظة كشفت أن الصراع داخل إسرائيل لم يعد يدور في الهامش، بل بدأ يقترب من قلب مؤسسات الدولة.

ما جرى لم يكن خلافًا على قانون، بل احتكاك مباشر بين تصورين متناقضين للدولة… يعيشان داخل نفس الحدود، دون أن يتشاركا نفس الفكرة عنها.

أزمة تخرج من الظل

هذه ليست حادثة منفصلة.

خلال السنوات الأخيرة، تصاعدت احتجاجات الحريديم الرافضين للتجنيد، من مظاهرات وقطع طرق إلى اشتباكات مع الشرطة العسكرية، ومحاولات لتعطيل إجراءات الاستدعاء.

ما كان يُدار سياسيًا عبر التفاهمات، بدأ يفلت تدريجيًا من هذا الإطار، ليتحول إلى مواجهة منخفضة الحدة لكنها مستمرة.

الأزمة لم تعد قابلة للاحتواء… بل أصبحت توترًا متراكمًا بلا مخرج واضح.

ديموغرافيا تعيد تشكيل الدولة

لفهم عمق الأزمة، لا يكفي النظر إليها كخلاف ديني أو قانوني.

الحريديم اليوم يقدَّر عددهم بين 1.3 و1.4 مليون نسمة، أي نحو 13% من السكان.

لكن المؤشر الأخطر:
نحو 25% من الأطفال في إسرائيل ينتمون إلى هذا التيار، مع معدلات إنجاب مرتفعة للغاية تصل إلى نحو 6.5 طفل لكل امرأة.

وبحسب التقديرات، قد يشكل الحريديم قرابة ثلث سكان إسرائيل بحلول عام 2050.

بمعنى آخر:
المستقبل الديموغرافي لإسرائيل يتحرك في اتجاه أكثر “حريدية”.

وهنا تتحول الأزمة من ملف اجتماعي… إلى تحول بنيوي يمس شكل الدولة نفسها.

دولة داخل الدولة

داخل هذا التحول، يتشكل واقع موازٍ.

مجتمعات حريدية مغلقة نسبيًا، بنظام تعليمي ديني، وإعلام داخلي، وقواعد حياة صارمة.

هذا ليس مجرد اختلاف… بل شبه انفصال.

النتيجة:
دولة واحدة… لكن بنظامين متجاورين:
نموذج مدني-عسكري،
ونموذج ديني-منعزل.

والاحتكاك بينهما لم يعد استثناءً، بل أصبح نمطًا متكررًا.

التجنيد.. صراع هوية

في قلب الأزمة، تقف مسألة التجنيد.

بالنسبة لقطاع واسع من الحريديم، الخدمة العسكرية لا تُرى كواجب وطني، بل كتهديد مباشر لهويتهم.

الجيش يُنظر إليه كبيئة علمانية،
بينما تُطرح الدراسة الدينية كبديل “يحمي المجتمع”.

هنا لا نتحدث عن خلاف قانوني…
بل عن صدام في تعريف الواجب ذاته.

جيش تحت الضغط

في المقابل، يواجه الجيش الإسرائيلي معادلة صعبة.

تشير تقديرات إسرائيلية إلى عجز يتراوح بين 10 إلى 12 ألف جندي فعّال في بعض الفترات.

وفي الوقت نفسه، هناك ما يقارب 80 ألف شاب حريدي في سن التجنيد لا يلتحقون بالخدمة.

هذا النقص دفع إلى توسيع الاعتماد على قوات الاحتياط بشكل غير مسبوق، في وقت تشير فيه تقديرات إلى أن نسبة الاستجابة للاحتياط تراجعت إلى نحو 70% فقط.

وفي ملف التجنيد:
تصدر سنويًا ما بين 20 إلى 24 ألف أمر استدعاء للحريديم في بعض الدورات.

لكن الاستجابة الفعلية تظل محدودة،
مع تسجيل آلاف حالات التهرب أو الامتناع.

النتيجة:
فجوة متزايدة بين احتياجات الجيش… وقدرة المجتمع على تلبيتها.

السياسة… حيث يتعطل الحل

رغم وضوح الأزمة، لا يحدث حسم.

السبب سياسي بالأساس.

الحريديم يمتلكون نفوذًا مؤثرًا داخل الكنيست عبر حزبي شاس ويهدوت هتوراه، بإجمالي يقارب 18 مقعدًا (نحو 15%).

في نظام قائم على الائتلافات، يمنحهم ذلك قدرة حاسمة على ترجيح كفة الحكم، خاصة ضمن تحالفات بنيامين نتنياهو.

النتيجة:
أي محاولة لتغيير قانون التجنيد تهدد بسقوط الحكومة.

لذلك، يتم تأجيل الحل… بدلًا من حسمه.

أزمة مزمنة تتراكم

بهذا الشكل، تتحول الأزمة إلى حالة مستمرة:

لا يمكن حلها سياسيًا،
ولا يمكن تجاهلها عسكريًا.

غياب الحريديم لا يخلق فقط نقصًا عدديًا،
بل يزيد الضغط على قوات الاحتياط،
ويرفع مدة الخدمة على الفئات الأخرى،
ويفتح نقاشًا حول استدامة النموذج القتالي نفسه.

ولا تتوقف التكلفة عند الجانب العسكري فقط، إذ تشير تقديرات اقتصادية إلى أن دمج الحريديم بشكل أوسع في الخدمة وسوق العمل قد يوفر مليارات الشواكل سنويًا للاقتصاد الإسرائيلي.

وهنا تتحول الأزمة من ملف اجتماعي…
إلى تحدٍ للأمن القومي والاقتصادي معًا.

انقسام داخل المجتمع

الأزمة لم تعد بين الدولة والحريديم فقط،
بل داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه.

يتصاعد شعور بأن العبء العسكري لم يعد موزعًا بشكل عادل،
وأن منظومة الإعفاءات خلقت خللًا في مفهوم “المساواة”.

هذا لم يعد نقاشًا نظريًا،
بل ضغطًا سياسيًا وإعلاميًا متزايدًا،
يعيد طرح سؤال أعمق:
هل ما زال هناك عقد اجتماعي مشترك؟

قنبلة داخل بنية الدولة

في النهاية، ما نراه ليس مجرد أزمة تجنيد.

بل تقاطع ثلاث دوائر:
نظام سياسي يؤجل الحل،
مجتمع منقسم،
وديموغرافيا تتحرك في اتجاه مختلف.

حادثة اقتحام منزل قائد عسكري لم تكن بداية الصراع…

لكنها كانت إشارة واضحة:
أن الانقسام لم يعد صامتًا.

وأن الانفجار لم يعد احتمالًا بعيدًا… بل واقعًا يتشكل تدريجيًا داخل بنية الدولة.

والسؤال المفتوح:
هل يمكن لإسرائيل أن تدير تناقضًا داخليًا بهذا الحجم؟
أم أن “القنبلة” سوف تنفجر في أي لحظة؟