قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

د. محمد جمعة يكتب: مصر وصناعة الإنسان بين ترتيل الوحي وآفاق النهضة العلمية

د. محمد جمعه - كلية الشريعة والقانون، جامعة الأزهر
د. محمد جمعه - كلية الشريعة والقانون، جامعة الأزهر

إنَّ هذا التدفقَ النورانيَّ الذي نشهدهُ عبرَ "دولةِ التلاوةِ" ليسَ إلا برهاناً ساطعاً على أنَّ مِصرَ كانتْ وستظلُّ هيَ المبتدأَ والخبرَ في سجلِ الخلودِ الروحيِّ، إذْ إنَّ استنهاضَ هذهِ الروحِ في نفوسِ أبنائِنا يعززُ فيهمُ الانتماءَ العميقَ لوطنٍ لمْ يكتفِ يوماً بصناعةِ التاريخِ الماديِّ المصبوبِ في الحجرِ، بلْ صاغَ وجدانَ الإنسانيةِ بآياتِ اللهِ المسطورةِ في القلوبِ والصدورِ، حتى غدتْ جدرانُ مآذنِها وأصواتُ قرائِها هيَ المعراجَ الذي ترتقي بهِ الأرواحُ إلى ملكوتِ الصفاءِ، وإنَّ الانتماءَ الحقيقيَّ ينبثقُ منْ وعيِ المصري بأنَّ أرضَهُ هيَ " أرض العلمِ والإيمانِ"، وهيَ البقعةُ المباركةُ التي تزاوجَ فيها نورُ الوحيِ معَ ضياءِ الفكرِ، فأنتجتْ حضارةً شامخةً تعتني ببناءِ الإنسانِ وصياغةِ ضميرِهِ مع تشييدِ البنيانِ، وحينَ يرى الشابُّ المصريُّ جلالَ التلاوةِ يُحتفى بهِ في صدارةِ المشهدِ، فإنهُ يدركُ يقيناً أنَّ ثقافتَهُ الهادفةَ هيَ حصنُهُ الحصينُ ضدَّ أمواجِ التغريبِ العاتيةِ ورياحِ الضياعِ وسهام التطرف، وأنَّ ريادتَهُ في هذا الميدانِ ليستْ مجردَ تشريفٍ، بل هيَ ميراثٌ مقدسٌ وأمانةٌ ثقيلةٌ يجبُ أنْ تتناقلَها الأجيالُ جيلاً بعدَ جيلٍ، لتبقى الهويةُ المصريةُ نموذجاً فريداً يجمعُ بينَ عبقِ الأصالةِ وروحِ المعاصرةِ، فمِصرُ هيَ "دولةُ النورِ" التي تُبددُ ظلماتِ الجهلِ وتفتحُ للعالمِ أجمعَ آفاقَ المعرفةِ الربانيةِ واليقينِ القلبيِّ.
وإنَّ هذا التلاحمَ الوجدانيَّ والريادةَ الثقافيةَ التي ترعاها الدولةُ، لتؤكدُ للعالمِ أجمعَ ملامحَ "دولةِ المؤسساتِ الروحيةِ" التي تتضافرُ فيها كافةُ الجهودِ المخلصةِ لتقديمِ مادةٍ إيمانيةٍ ترتقي بالذوقِ العامِّ وتغرسُ في الوجدانِ أسمى قيمِ الخيرِ والجمالِ، مما يجعلُ الجيلَ الجديدَ يشمخُ برأسِهِ فخراً بانتسابِهِ لهذهِ الأرضِ الطيبةِ، واثقاً في قدرةِ بلادِ المسلمينَ على استعادةِ صدارتِها الحضاريةِ ومكانتِها السامقةِ بينَ الأممِ.
إنَّ اقترانَ جلالِ التلاوةِ بآفاقِ النهضةِ العلميةِ ليسَ إلا تجسيداً لتلكَ الوحدةِ العضويةِ التي قامتْ عليها حضارتُنا الأولى، حيثُ كانَ المسجدُ والجامعةُ صنوينِ لا يفترقانِ، وحيثُ كانتْ آياتُ القراءةِ والتدبرِ هيَ المحركَ الأولَ لعقولِ العلماءِ الذينَ فجروا ينابيعَ المعرفةِ في الطبِ والفلكِ والهندسةِ، فما كانتْ "دولةُ التلاوةِ" يوماً منزويةً عنْ "دولةِ العلمِ"، بل كانتْ هيَ الروحَ التي تسري في جسدِ البحثِ والاستقصاءِ، تمنحهُ الغايةَ الساميةَ والبوصلةَ الأخلاقيةَ التي تمنعُ العلمَ منَ الطغيانِ أو الانحرافِ، وإنَّنا اليومَ ونحنُ نحتفي بهؤلاءِ الفتيةِ الذينَ أوتوا مزماراً منْ مزاميرِ آلِ داوودَ، إنما نضعُ اللبنةَ الأولى في بناءِ عقلٍ مؤمنٍ يدركُ أنَّ أولَ لفظٍ في وحيِ السماءِ كانَ "اقرأْ"، وهيَ دعوةٌ مفتوحةٌ لا تقفُ عندَ حدودِ تلاوةِ المسطورِ، بل تمتدُ لتشملَ قراءةَ المنظورِ في ملكوتِ السمواتِ والأرضِ، واستخراجَ أسرارِ المادةِ وتطويعَ ذراتِها لنفعِ البشريةِ وإعمارِ الكونِ بالحقِّ والعدلِ والجمالِ.
لذا فإنَّ الأملَ معقودٌ والرجاءَ موصولٌ بأنْ تتسعَ رقعةُ هذهِ الميادينِ الشريفةِ لتشملَ كلَّ فروعِ المعرفةِ الإنسانيةِ، فنرى مسابقاتٍ كبرى في الابتكارِ العلميِّ، والذكاءِ الاصطناعيِّ، والعلومِ الطبيةِ، توازيها في القيمةِ والاحتفاءِ مسابقاتُ الفقهِ وأصولِ الدينِ، ليتشكلَ لنا جيلٌ يقرأُ الوحيَ بقلبِهِ ويقرأُ الكونَ بعقلِهِ، ويقفُ على ثغورِ العلمِ والدينِ بوعيٍ شامخٍ وعزيمةٍ لا تلينُ، مؤكداً أنَّ ريادةَ مِصرَ  لنْ تكتملَ صورتُها إلا بهذا العناقِ المقدسِ بينَ نورِ الكتابِ وضياءِ المختبرِ، حيثُ تُصانُ القيمُ باليقينِ وتُبنى القوةُ بالمعرفةِ، فالدعوةُ اليومَ لكلِّ مؤسساتِنا ورموزِنا هيَ فتحُ أبوابِ التنافسِ في كلِّ نافعٍ ومفيدٍ، لنصنعَ منْ أجيالِنا فرساناً في ميادينِ البحثِ العلميِّ وأئمةً في محاريبِ التقى، وبذلكَ نكونُ قدْ وفينا بعهدِ الاستخلافِ الذي شرفنا اللهُ بهِ، ووضعنا أقدامَنا على طريقِ المجدِ الحقيقيِّ الذي لا تُمحى آثارهُ معَ مرورِ الزمانِ، فما أجملَ أنْ نرى ابنَ مِصرَ يحملُ في صدرِهِ القرآنَ وفي يدِهِ مفاتيحَ العلمِ الحديثِ، ليكونَ بذلكَ سفيراً للنورِ وهادياً للبشريةِ التائهةِ في ظلماتِ الماديةِ الجافةِ.
فاللهمَّ اجعلْ هذا الوطنَ منارةً للعلمِ وملاذاً للإيمانِ، ووفقْ كلَّ يدٍ تبني، وكلَّ عقلٍ يفكرُ، وكلَّ لسانٍ يلهجُ بذكركَ، وأيدْ ولاةَ أمرِنا ووزراءَنا في كلِّ مسعىً يرومُ تمكينَ العلمِ وبناءَ الإنسانِ، واجعلْ مسابقاتِنا وقوداً لنهضةٍ شاملةٍ تردُ للأمةِ هيبتَها وللمسلمينَ ريادتَهمْ، ولتظلَّ مِصرُ دائماً هيَ مهدُ الحضارةِ وقلبُ العالمِ النابضِ بالحقِ والخيرِ والجمالِ النورانيِّ الذي لا ينطفئُ ضياؤهُ أبداً.