قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

سيد الضبع يكتب: حسن معاملة المواطن.. واجهة الدولة الحقيقية

سيد الضبع
سيد الضبع

في إطار جهود الدولة المستمرة لتطوير الجهاز الإداري وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين، يبرز عنصر لا يقل أهمية عن تحديث الأنظمة أو ميكنة الإجراءات، وهو أسلوب التعامل المباشر داخل المؤسسات الحكومية. فالتجربة اليومية للمواطن داخل أي مصلحة حكومية لم تعد تقف عند حدود إنهاء الخدمة، بل أصبحت معيارًا حقيقيًا لقياس كفاءة الأداء وجودة المنظومة ككل.

فالمواطن حين يتوجه إلى أي جهة خدمية، لا يبحث فقط عن إنهاء مصلحته، بل يتطلع أيضًا إلى معاملة إنسانية راقية تعكس احترام الدولة له وتقديرها لاحتياجاته. وفي هذا السياق، يمثل الموظف الواجهة الأولى التي تتشكل من خلالها الصورة الذهنية عن مؤسسات الدولة، بما يحمله من أسلوب في الحديث، وطريقة في الاستجابة، وقدرة على احتواء المواقف المختلفة.

ولعل الواقع اليومي يقدم لنا نماذج متعددة تعكس أهمية هذا الملف. فكم من مواطن توجه إلى مصلحة حكومية لإنهاء إجراء بسيط، لكنه واجه أسلوبًا جافًا أو تجاهلًا، ما جعله يشعر بالضيق رغم إنجاز مصلحته في النهاية. وعلى النقيض، نجد أن نفس المواطن قد يخرج بانطباع إيجابي كبير من مكان آخر لمجرد أنه وجد موظفًا يتحدث باحترام، ويشرح الإجراءات بهدوء، ويحرص على تسهيل الخطوات.

وفي مثال آخر، نجد أن بعض كبار السن أو غير المتعلمين يواجهون صعوبة في فهم الإجراءات، وهنا يظهر الفارق الحقيقي بين موظف يؤدي عمله بشكل روتيني، وآخر يدرك مسؤوليته الإنسانية، فيبادر بالمساعدة والتوضيح، وهو ما يترك أثرًا إنسانيًا عميقًا يفوق أي خدمة مقدمة.

كما أن التعامل مع أوقات الضغط والزحام يمثل اختبارًا حقيقيًا لمهارات الموظف، فبدلًا من الانفعال أو التوتر، يمكن بكلمة هادئة وتنظيم بسيط أن يتحول الموقف من حالة احتقان إلى حالة تعاون بين المواطن ومقدم الخدمة.

غير أن الصورة لا تكتمل إذا تم تحميل المسؤولية لطرف واحد فقط، فكما أن الموظف مطالب بحسن التعامل، فإن المواطن أيضًا شريك أساسي في إنجاح منظومة الخدمة. فاحترام الدور الوظيفي، والالتزام بالنظام، واستخدام أسلوب لائق في الحديث، كلها عوامل تسهم في خلق بيئة عمل أكثر هدوءًا وانضباطًا.

ففي كثير من الأحيان، قد يؤدي التوتر أو الانفعال من جانب بعض المواطنين إلى تعقيد الموقف، حتى وإن كانت الإجراءات تسير بشكل طبيعي. بينما نجد أن الهدوء والتفاهم، وطرح المشكلة بأسلوب منظم، يساعدان بشكل كبير على سرعة الإنجاز وتحقيق أفضل نتيجة ممكنة.

إن العلاقة بين المواطن والموظف يجب أن تقوم على الاحترام المتبادل، لا على التوتر أو التصادم. فكل طرف يؤدي دورًا مكملًا للآخر، وأي خلل في هذه العلاقة ينعكس سلبًا على جودة الخدمة وعلى الصورة العامة للمؤسسات.

ومن هنا، فإن نشر ثقافة التعامل الراقي لا يجب أن يقتصر على تدريب الموظفين فقط، بل يمتد أيضًا إلى تعزيز وعي المواطنين بأهمية الالتزام بالسلوك الحضاري داخل المؤسسات الحكومية.

وفي هذا الإطار، يظل المقترح بإنشاء لجنة دائمة داخل كل مؤسسة حكومية وخدمية للتدريب والتثقيف خطوة عملية مهمة، تهدف إلى تطوير مهارات العاملين، وتعزيز مفاهيم التواصل الإيجابي، وإدارة المواقف المختلفة باحترافية. ويمكن لهذه اللجان أن تنظم دورات تدريبية وورش عمل دورية، إلى جانب وضع آليات تقييم مستمرة تضمن تحسين الأداء وتحفيز المتميزين.

إن تطوير الجهاز الإداري لا يقتصر على تحديث النظم أو التحول الرقمي، بل يتطلب بناء ثقافة مؤسسية قائمة على الاحترام والتعاون. فالرقي في المعاملة مسؤولية مشتركة، تبدأ من الطرفين، وتصب في مصلحة الوطن ككل.

وفي النهاية، تبقى الرسالة الأهم أن حسن التعامل ليس خيارًا، بل ضرورة، وأن بناء صورة إيجابية للدولة يبدأ من أبسط موقف يومي بين مواطن وموظف. فحين يتحلى الجميع بالوعي والاحترام، تتحول المؤسسات إلى نماذج حقيقية للرقي الذي نطمح إليه جميعًا.