قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

كريم خالد عبد العزيز يكتب: خواطر في العمق الإنساني.. بين ما يُرى وما يُحسّ

كريم خالد عبد العزيز
كريم خالد عبد العزيز

العمق ليس تعقيدًا ولا كلمات ثقيلة مجازية تُقال لتُبهر أو تجذب، بل هو حضور حقيقي يرى ما وراء الظاهر؛ أن تفهم قبل أن تحكم، وأن تشعر قبل أن تتكلم .. عمق العلاقات، عمق الأفكار، عمق المشاعر، عمق المعاني والكلمات .. يجعل من الشخص إنسانًا حقيقيًا ومميزًا ويبرز إنسانيته أمام نفسه ومع غيره من البشر .. في العمق إبحار للداخل وغوص للباطن، وكمال للصورة.

أما السطحية فمعرفة غير مكتملة، مجرد أخذ فكرة عن الأمر دون دراية بالتفاصيل .. الإنسان العميق دائمًا يكون عرضة للألم، ليس لأنه يميل للشقاء وإنما لأنه يستشعر بكل طاقته .. وتظهر حساسيته في انتباهه للتفاصيل الدقيقة التي يمرّ عليها غيره مرورًا عابرًا؛ ينتبه لأدق التفاصيل، لنبرة صوت تغيرت، لكلمة قيلت في عجالة، حتى لصمت أطول من المعتاد، لذلك يتأثر بسرعة، لأن قلبه لا يكتفي بالظاهر بل يلتقط الخفي والباطن أيضًا .. فيفرح بصدقٍ كامل ويحزن أيضًا بصدقٍ مماثل، وكل شعور يشعر به بكل صدق وطاقة حتى في ردات فعله قد يميل للعنف أحيانًا لأن شدة الإحساس وتراكم الانفعالات داخله دون تفريغ صحي قد تتحول إلى اندفاع لحظي يصعب كبحه.

الإنسان الذي يميل للعمق يفهم نفسه ومن حوله بشكل أصدق وأكمل، فالعمق يجعله أكثر وعيًا في علاقاته واختياراته في الحياة وفي تعبيره عن نفسه للآخرين وكل ما يشعر به يعبر عنه بصدق وقوة .... لكن حتى لا يتحول هذا العمق إلى عبء، يحتاج الإنسان العميق إلى بعض التوازن من خلال وضع حدود لبعض الأشخاص خاصة السطحيين الذين قد يسيئون فهمه .. فيجب ألا يفسّر كل شيء بأقصى درجة خاصة في التعبير عن حبه ومشاعره، وفي طيبته ولين قلبه .. عليه أن يعرف لمن يعبر ومع من يتكلم بهذا العمق والصدق لكي لا ينجرح أو يخذل، فيضطر أن يمنح نفسه مساحات للراحة والهدوء والانعزال ليداوي جروحه.

في النهاية، العمق ليس أن تثقل على نفسك، بل أن ترى العالم من حولك بوضوح ووعي وأن تختار بعناية من يستطيع فهمك، وأن تحدد ما يستحق أن تحتفظ به داخلك ولنفسك فقط؛ فالأجمل أن تكون عميقًا بوعي وحكمة، وأن تجعل من حساسيتك قوة تُنيرك وتجعلك إنسانًا ملهمًا لغيرك، لا عبئًا يرهقك ويجعلك ضحية لغيرك.