أسيء فهم بعض المواقف في السيرة النبوية، إذ لم يُعفُ فيها النبي ﷺ عن بعض الأشخاص رغم قدرته على ذلك، حيث يتساءل البعض هل يتعارض ذلك مع رحمته ورأفته صلى الله عليه وسلم.
وفى السطور القادمة نفند بعض الشبهات التى يسيء فهمها مثل (قتل كعب بن الأشرف وأبي رافع)
الرد على شبهة (قتل كعب بن الأشرف وأبي رافع)
يستشهد البعض بقتل النبي -صلى الله عليه وسلم- لأفراد، مثل كعب بن الأشرف وأبي رافع عبد الله بن أبي الحقيق، محاولين تصويره بأنه لم يعفُ عندما امتلك القدرة، ولكن هذا فهم قاصر يخلط بين العفو الشخصي وتطبيق حدود الله وحماية الأمة، ولذا لا بد أن نرى طبيعة الجريمة، وما يترتب عليها ثم يمكن أن نرى تجلى عفوه -صلى الله عليه وسلم.
طبيعة الجريمة
لم يكن ق.تل هؤلاء بسبب إساءة شخصية للنبي -صلى الله عليه وسلم، بل كان بسبب جريمة الخيانة العظمى والتحريض على قتال المسلمين.
فكان كعب بن الأشرف شاعرًا ذا تأثير، ذهب إلى مكة بعد غزوة بدر وأخذ يحرّض قريشًا على قتال المسلمين ويهجو النبي -صلى الله عليه وسلم- ويؤلب عليه، محاولًا تأليب العرب كلهم على المسلمين، ولقد تحوَّل إلى خطر أمني يهدد كيان الدولة الناشئة، فلم يعد الأمر شأنًا شخصيًا، بل أصبح شأنًا عامًا يتعلق بأمن المجتمع وسلامته، ولا بد من قطع أواصر الفساد المتشبعة به.
أما أبو رافع عبد الله بن أبي الحقيق، فقد كان من زعماء يهود خيبر، وكان من المحرضين الرئيسيين على تجميع الأحزاب ضد المسلمين في غزوة الخندق، واستمر في عدائه وتحريضه، فكيف يُترك وقد ثبتت منه الخيانة.
فالفرق بين العفو الشخصي والعقاب العام ميزه النبي -صلى الله عليه وسلم- تمامًا بين من أساء إليه شخصيًا فعفا عنه، كما في قصة الأعرابي الذي جذبه بشدة، وبين من أصبح خطرًا يهدد الأمن العام ويسعى لإشاعة الفتنة وضرب استقرار الدولة الإسلامية، فالعفو كان في حقه الشخصي، أما في حقوق الله والمجتمع، فكان يطبق الشرع، ويقطع ما من شأنه إثارة الفتن، ونشر الفساد في المجتمع.
والحكمة تقتضي الحفاظ على المصلحة فالإسلام دين واقعي، والعفو لا يعني التهاون أو ترك المجال لأعداء الأمة أن يعبثوا بأمنها، يقول تعالى: {وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ} [البقرة: ١٩١]، فترك مثل هؤلاء المحرضين كان سيفتح باب فتنة أكبر تؤدي إلى إراقة دماء كثير من المسلمين.
وتؤكد لنا كتب السيرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم ينتقم لنفسه قط، فقد جاء الحديث عن السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: «وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لِنَفْسِهِ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ، فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ بِهَا». [رواه البخاري (٣٣٦٧)].
فقَتلُ كعب وأبي رافع كان انتقامًا لله وحماية لدينه وأمته، لا انتقامًا شخصيًا، ولا يمكن التغافل عن أن الوحي الشريف له الدور الأبرز في تلك الأمور.

