قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

حكم الامتناع عن تسلم الوجبات بعد طلبها والتَّهرب من دفع ثمنها.. الإفتاء تجيب

حكم الامتناع عن تسلم الوجبات بعد طلبها والتَّهرب من دفع ثمنها
حكم الامتناع عن تسلم الوجبات بعد طلبها والتَّهرب من دفع ثمنها

تلقت دار الإفتاء المصرية، سؤالا يقول صاحبه: ما حكم الامتناع عن تسلم الوجبات بعد طلبها والتَّهرب من دفع ثمنها؟ فهناك امرأة تُعدّ وجبات الطعام حسب الطلب، وقد تواصل معها أحد العملاء وطلب منها صنع عدد من الوجبات بثمن معيَّن، واتَّفقا على كافة تفاصيل الوجبات من: مكوناتها، وأصنافها، وتسلم المبلغ عند تسليمها، وبالفعل أعدت هذه الوجبات في الوقت المحدد، إلا أن العميل أغلق هاتفه وأعرض عن الرد عن اتصالاتها، فما حكم ذلك شرعًا؟

وأجابت الإفتاء ، عن السؤال قائلة: اتفاق العميل المذكور مع المرأة التي تُعِدّ الطعام على تجهيز الوجبات له يُعدّ من باب الاستصناع فيما اعتاد الناسُ طلبَ صناعته، وهو أمرٌ جائزٌ شرعًا، وبوفاء المرأة بما اتفقا عليه، وذلك بإعدادها الوجبات وفق المواصفات والشروط المُتفق عليها فيما بينهما -يكون العقد مُلزمًا للعميل المذكور، ويكون امتناعُه عن تسلم الوجبات -بغير عذر- والتَّهربُ من دفع ثمنها محرمًا شرعًا؛ لما يترتب عليه من ضررٍ مباشرٍ للمرأة التي أنفقت من مالها في شراء المكونات، وبذلت جهدها ووقتها في إعداد الطعام وتجهيزه على النحو المطلوب، وربما لا تجد عميلًا آخر يقبل بشراء هذه الوجبات بعد تنفيذها وفق شروط العميل المذكور، مما يؤدي إلى ضياع الطعام وخسارة الجهد والمال، فضلًا عن أنَّ هذا الفعل يُعدُّ ضربًا من الغدر ونكث العهد، وهو أمرٌ محرَّمٌ شرعًا.


حكم الامتناع عن تسلم الوجبات بعد طلبها والتَّهرب من دفع ثمنها
وبينت أن اتفاق شخصين على أن يتولى أحدهما إعداد وطهي عدد محدَّدٍ من الوجبات للآخر في مقابل عوضٍ ماليٍّ معلومٍ يدفعه الأخير، مع تعيين محتوى كل وجبةٍ، وتحديد مكان التسليم وموعده، وبيان ما ينوط بكل واحد من الطرفين من حقوق والتزامات؛ بحيث يتعهد الطاهي بشراء المكونات وتحضير الوجبات وفق الرغبات والمواصفات التي اختارها طالب الطعام، بينما يلتزم الأخير بدفع الثمن المُتَّفَقِ عليه فور تسلمه إياها -يُكيَّف من الناحية الفقهية على أنه من باب الاستصناع فيما جرى فيه التعامل بين الناس -أي ما اعتادوا طلب صناعته-، وهو أمرٌ جائزٌ شرعًا، متى وقع عن تراضٍ، وخلا من الغرر والجهالة.

قال الإمام ابن مازه في "المحيط البرهاني" (7/ 134، ط. دار الكتب العلمية): [الاستصناع جائزٌ في كل ما جرى التعامل فيه] اهـ.

فإذا قام مُعِدُّ الطعام (الطاهي) -الصانِع- بتنفيذ ما التزم به، فأعدَّ الوجبات على النحو المتفق عليه من حيث الصفة والعدد، وبادر بتسليمها للطرف الآخر في المكان والموعد المحددين، فقد استوفى بذلك ما وجب عليه، وثبت له في مقابله استحقاق العوض، وحينئذ يتعيَّن على العميل -المُستصنِع- الوفاء بما التزم به من دفع الثمن المتفق عليه دون تأخيرٍ أو تنصُّل؛ إذ إنَّ استحقاق العوض يثبت بمجرد إتمام العمل على النحو المشروط، فلا يحق للعميل بعد ذلك العدول عن طلبه أو التحلل من العقد؛ لأن ذلك يفضي إلى إلحاق الضرر بالطاهي -الصانع- الذي قد أنفق من ماله على شراء المكوِّنات، وبذل جهده ووقته في إعداد الطعام وفق الطلب، وربما لا يجد عميلًا آخر يقبله منه بعد ذلك، فيَئُول الأمر إلى اجتماع ضياع الطعام وذهاب كلفة العمل، ومن ثَمَّ كان تمكين العميل -المستصنِع- من الخيار في هذه الحالة -لا سيَّما وأنَّ الطعام ليس كسائر المصنوعات التي تبقى صالحة مدة طويلة، ولا تتضرر ببقائها، وإنما هو مما يتسارع إليه الفساد- أمرًا منافيًا لمقاصد الشرع الشريف من ضرورة دفع الضرر عن الغير -الصانِع-، فقد روي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ» أخرجه الإمام ابن ماجه.

إضافة إلى ذلك فإنَّ نأي العميل -المستصنِع- عن تسلم طلبه -بغير عذر- بعد إتمام الطاهي -الصانع- للعمل وفق ما اتُّفق عليه يعد إخلالًا بالعهد ونقضًا للاتفاق، وهو ما جاءت الشريعة بالتحذير منه والتَّشديد في النهي عنه؛ إذ الأصل في معاملات الناس وعقودهم وجوب الوفاء بما يلتزمونه من عهود وشروطٍ، عملًا بعموم قول الحق تبارك وتعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 34].

وإذا كان الوفاء بالعهد مأمورًا به شرعًا، فإن نقضه بعد توثيقه يُعَدُّ من الغدر المحرَّم، وقد حذَّرت السنة النبوية من هذه الخصلة الذميمة، وبيَّنت قُبحها وشدة الوعيد عليها؛ فجعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم الغدر من خصال النفاق التي ينبغي للمسلم أن يتنزه عنها، ويحذر الوقوع فيها، وذلك فيما رواه عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا -أَوْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ أَرْبَعَةٍ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنَ النِّفَاقِ- حَتَّى يَدَعَهَا: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ» أخرجه الإمام البخاري.

كما بيَّن ما يترتب على الغدر من مآلات وخيمة يوم القيامة، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ القِيَامَةِ: رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرًّا فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيرًا فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أَجْرَهُ» أخرجه الإمام البخاري.

قال الإمام القسطلاني في "إرشاد الساري" (4/ 108، ط. المطبعة الكبرى الأميرية) مبينًا حقيقة "الغدر" أي: [نقض العهد الذي عليه ولم يفِ به] اهـ.

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «لِكُلِّ غَادِرٍ لِوَاءٌ يَوْمَ القِيَامَةِ يُعْرَفُ بِهِ» أخرجه الشيخان.

قال الإمام ابن الملقن في "التوضيح" (18/ 668، ط. دار النوادر) مبينًا ما يدخل في عموم هذا الحديث: [يدخل فيه من غدر من بَرٍّ أو فاجرٍ، فالغدر حرام لجميع الناس، بَرِّهم وفاجرهم؛ لأن الغدر ظلم، وظلم الفاجر حرامٌ كظلم البَرِّ التَّقي] اهـ.


وبناء على ذلك وفي واقعة السؤال: فإنَّ اتفاق العميل المذكور مع المرأة التي تُعدُّ الطعام على تجهيز الوجبات له يُعَدّ من باب الاستصناع فيما اعتاد الناسُ طلبَ صناعته، وهو أمرٌ جائزٌ شرعًا، وبوفاء المرأة بما اتفقا عليه، وذلك بإعدادها الوجبات وفق المواصفات والشروط المُتفق عليها فيما بينهما -يكون العقد مُلزمًا للعميل المذكور، ويكون امتناعُه عن تسلم الوجبات -بغير عذر- والتَّهربُ من دفع ثمنها محرمًا شرعًا؛ لما يترتب عليه من ضررٍ مباشرٍ للمرأة التي أنفقت من مالها في شراء المكونات، وبذلت جهدها ووقتها في إعداد الطعام وتجهيزه على النحو المطلوب، وربما لا تجد عميلًا آخر يقبل بشراء هذه الوجبات بعد تنفيذها وفق شروط العميل المذكور، مما يؤدي إلى ضياع الطعام وخسارة الجهد والمال، فضلًا عن أنَّ هذا الفعل يُعدُّ ضربًا من الغدر ونكث العهد، وهو أمرٌ محرَّمٌ شرعًا.