يقال إن رجلا انتقل من بيته باحثا عن بيت آخر فى مدينة أخرى يسعه ويسع أبناءه السبعة وزوجته .
وكلما يعجبه مكان يرفض المالك أن يؤجره له بهذا الكم من الأولاد خوفا منه من كافة المشاكل التى ستنجم بالفعل منهم من ازعاج وتكسير وفوضى بصفة عامة .
الرجل كان خبيرا فى فنون الحياة وقادرا على مواجهة الأزمات بعبقرية وذكاء يحسد عليه . قال لزوجته وأبناءه الستة اذهبوا إلى المقبرة مع أمّكم وسوف آتى لاخذكم من هناك بعد وقت ليس بالطويل ، وأخذ معه أكبر أبنائه وكان صبيا فى العاشرة من عمره ، ولم يسأله الولد عما فعله مع أمه وإخوته ظنا منه أن أمه كعادتها تحب الذهاب الى المقابر للاتعاظ والبكاء على أبويها وأخيها الوحيد الذى مات فى ريعان شبابه وأخذ من بعده أبويه اللذين حزنا حزنا شديدا عليه وزهدا فى الحياة وأصابهما المرض وأخذ منهما الحزن كل شىء ولم يرضى إلا بموتهم وانضمامهم إلى إبنهم الوحيد . الرجل الرشيد مسك بيد ابنه وطرق باب صاحب عقار ضخم وجميل المنظر وبالفعل أعجبته واحدة من شقق العقار وقال للمالك أجرها لى ان أحببت مع أنى أتمنى أن أمتلكها والأمر متروك لك . المالك اطمأن للرجل وطلب منه أن يعلمه بوضعه الاجتماعى ومن الذى معه هل هو ابنه أم قريب له ؟ تبسم المستأجر المرتقب وقال له : هذا هو ابنى وأمه وإخوته الستة فى المقابر .. المالك ظهرت على وجهه معالم الأسى والارتياح فى نفس الوقت فقد تأسى له لان ابناءه الستة ووالدتهم فى المقابر ، وارتاح بالطبع لأن الرجل سيعيش بصحبة ابنه فقط وذلك سيعنى الكثير من الراحة فى كل شىء .
وتم الاتفاق بين الاثنين المالك والمستأجر وفرح كلاهما فيما ظل الابن فى حالة اندهاش وتعجب ولما ذهب المالك وصار الاب وابنهما بمفردهما وقبل ان يسأل الابن أبيه عن تفسيره لما حدث بادره الاب قائلا : هكذا ياابنى تدار المواقف والحياة بصفة عامة ، عندما ذهبنا كلنا وكنا أكثر صراحة ووضوحا لم تنل ماتريده ولكن عندما أخفينا جزءا من الحقيقة الثابتة والتى لن تتغير فأمك لن تعيش عمرها فى المقبرة ولا اخوتك أيضا ، عندما فعلنا ذلك كان لنا ما أردنا وسعينا من أجله . الابن انبهر بما أسماه بفطنة أبيه وذكائه ويقظته وفهم الدرس وكبر وإصبح رجل سياسة ناجح وصار دبلوماسى يشار عليه بالبنان واليه . هذا السياسى وضع منهاج حياته فى تصرف أبيه فى صغره وجعله بوصلة يحتذيها ويتخذها مخرجا له فى كل مواقف حياته الصغيرة منها والكبيرة ، وكان كلما اختلى بنفسه يردد مقولة أبيه التى تؤكد له أن الحقيقة فى كل الأحيان ومع بعض الناس لا تجدي، والكذب الدبلوماسى ينجى ويحقق المآرب أبيه لم يكذب عندما قال للمالك ان أبناءه وأمهم فى المقابر فهم بالفعل كانوا هناك ولكنه لم يترك للمالك فرصة لان يفكر فى شىء آخر سوى انهم مع الأموات فى مقابرهم . كلما تذكر حيلة أبيه الناجحة كلما ازداد صمودا ونجاحا ، والغريب أن كل من يعرفه ومن لا يعرفه يصفه بالرجل الصادق والدبلوماسي الشريف الذى لايعرف كذبا ولا يرتكب معصية ..
درب الأب سلكه الابن فنجح رغم ان العرف يقول ان الاب كاذب وكذاب ولكن الواقع يقول : الكذب ينجى وينفع ويصبح وسيلة للصعود الى سلم الناجحين فيما الصدق مثله مثل الصدقة ستدخل بها الجنة فى آخرتك بينما فى دنياك