في تمام الساعة الخامسة والنصف مساء الحادي والثلاثين من مايو عام 1934، ومن قلب قاهرة المعز، انطلق عبر الأثير صوت الإعلامي الراحل أحمد سالم ناطقاً باسم الشعب "هنا القاهرة" معلنا بدء ميلاد الإذاعة المصرية .
لم تكن هذه الانطلاقة مجرد بثٍ عابر، بل تحولاً إعلامياً وتنويرياً فارقاً امتدت أصداؤه السياسية والثقافية من المحيط إلى الخليج، واضعةً الحجر الأساس الذي قام عليه الإعلام العربي والأفريقي ،وبوصفها ركيزة استثنائية للقوة الناعمة المصرية، سرعان ما تحول ميكروفون الإذاعة إلى قلب نابض للثقافة، وضمير للأمة، وصوت للوطن يلامس عقول وقلوب الملايين ويشكل وجدان أجيال متعاقبة.
مثلث الإذاعة المصرية حقبة استثنائية من التاريخ المعاصر، فغدت بحقٍّ حارساً أميناً للهوية الوطنية، ففي خمسينيات القرن الماضي، قادت المشهد السياسي كركيزة أساسية لثورة 23 يوليو 1952 ، إذ زلزل صوت البكباشي أنور السادات الأثير من خلف ميكروفونها، وتلا بيان الثورة الأول الذي صاغ للمنطقة فجراً جديداً من الحرية والاستقلال، وعبر موجاتها العابرة للحدود، ساهمت الإذاعة في ترسيخ الروابط المجتمعية والقيم الثورية، وهو الدور الذي تعزز في الستينيات بظهور التلفزيون، ليشكلا معاً الذراع الاستراتيجي والقوة الناعمة التي صاغت النفوذ الإقليمي والدولي لمصر.
يؤكد المسار التاريخي لتلك الحقبة الدور الريادي للإذاعة المصرية في مساندة حركات التحرر الوطني، عبر تنسيق متكامل مع الدبلوماسية الرسمية للدولة، وقد تمثّل هذا الدور عمليًا في تأسيس إذاعة صوت العرب لتعزيز التضامن العربي، إلى جانب إطلاق شبكة إذاعات موجهة إلى إفريقيا ناطقة باللغات المحلية، والإنجليزية، والفرنسية.
وكان لهذا الأثير مفعول السحر في في إيقاظ وعي شعوب القارة ودول العالم الثالث ضد القوى الاستعمارية، إذ لم يقتصر دورها على دعم المقاومة فحسب، بل امتد لتوثيق الأواصر الإفريقية والعربية والآسيوية، واضعاً حجر الأساس لتقارب استراتيجي متين على المستويين الشعبي والرسمي.
وقد تصدر الإعلام الإذاعي جبهات المواجهة خلال معارك مصر المصيرية، بدءاً من عدوان 1956، ومروراً بحرب الاستنزاف، وصولاً إلى ملحمة أكتوبر 1973؛ حيث قاد المجتمع بمختلف شرائحه نحو الصمود، صاهراً الجبهة الداخلية في جسد واحد ينبض دفاعاً عن الوطن. وسيبقى البيان العسكري الأول لحرب أكتوبر، الذي صدح به الإعلامي القدير حلمي البلك، محفوراً في الذاكرة الجمعية، حين التف حوله المصريون والعرب في ترقب فخور، يتابعون عبر أثيره توالي بيانات النصر العظيم.
وعبر ميكروفون الإذاعة المصرية، تلألأت منارات الفكر والتنوير ،من عباس العقاد وطه حسين، إلى نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم ، ناشرين الوعي والثقافة من خلال برامج وحوارات وفترات ذهبية تُشكل اليوم كنوزاً تراثية لا تُقدر بثمن، ومن هذا المنبر ذاته، تليت القراءات العشر لآيات الذكر الحكيم وجادت بها حناجر عمالقة دولة التلاوة، الكبار علي محمود ،محمد رفعت، محمود خليل الحصري ،مصطفى إسماعيل، طه الفشني، في مسيرة نورانية تضيق بحصر ألوائها القوائم .
وعلى مدار تسعة عقود، بسطت الإذاعة المصرية سحرها على الوجدان العربي جيلًا بعد جيل، صانعةً ذاكرة جمعية نابضة بالحياة. فمن المحيط إلى الخليج، كان الشرق يضبط ساعته برصانة ومحبة في أول خميس من كل شهر؛ حيث يسود الصمت في حرم الجمال، وينصت الجميع لشدْو كوكب الشرق أم كلثوم .
ولم يقف هذا الأثير الساحر عند حدود النغم، بل امتد ليتجلى في دراما إذاعية كانت تحبس أنفاس الملايين يومياً عند الخامسة والربع مساءً، مع روائع التراث مثل سمارة، ريا وسكينة، وشنبو في المصيدة.
كما تربع الإنتاج الإذاعي الغنائي على عرش الإبداع وتكاملت هذه النهضة الإبداعية بأوبريتات وصور غنائية ترسخت في وجدان الهوية أصبحت من الكلاسيكيات التراثية، مثل السلطانية، الدندورمة، قطر الندى، علي بابا والأربعين حرامي، ألف ليلة وليلة، إضافة إلى أيقونة الأطفال الشهيرة عيد ميلاد أبو الفصاد.
إن الاحتفال بعيد الإذاعة المصرية هو احتفاء حقيقي بمسيرة رواد عظام، نقشوا بصماتهم الإبداعية وأصواتهم الدافئة في أذهان وآذان المستمعين.
وقد أرسى هؤلاء القامات قواعد مدارس إعلامية ملهمة للأجيال الحالية التي تضم باقة من هؤلاء العمالقة، وفي مقدمتهم أحمد سالم، أول صوت مصري يصدح عبر الأثير، والإعلامي القدير محمد محمود شعبان بابا شارو رائد برامج الأطفال، والأستاذة صفية المهندس أم الإذاعيين كأول صوت نسائي ينطلق في العالم العربي، يضاف إليهم أبلة فضيلة التي تميزت بنبرتها الأمومية الساحرة، والإعلامية المخضرمة آمال فهمي ببرنامجها الأيقوني على الناصية، والقدير جلال معوض الذي ارتبط صوته بثورة 23 يوليو والمنعطفات السياسية المصيرية ، لتظل صفحات الإبداع الإذاعي المصري حافلة بالبذل والعطاء.