يسعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتحقيق أي إنتصار عسكريأ أو سياسيا في حربه علي ايران ، بعد أن أثبتت الأخيره قدرتها على التصدي والمواجهه والصمود أمام الأسلحة الٱمريكية الفتاكه ، بجانب قناعته بأن الصين و روسيا لن يسمحا أن تسقط إيران ، فهي حليف إستراتيجي للقطبين الكبيرين كما أوضحت في مقالاتي السابقة .
ترامب يعلم أن تحقيق إنتصار عسكري علي إيران صعب المنال ، خاصه مع ورود تقارير تؤكد الدعم الصيني والروسي لإيران ، سواء سياسيا أو إستخباراتيا أو عسكريا ، برغم نفي القطبين وهو أمر طبيعي . وأيقن ترامب رغم تصريحاته النارية المتهوره التي إعتاد إطلاقها بتدمير إيران ، أن ذلك لن يحدث .
لذلك لجأ ترامب لحيلة أخري لعلها تتم ، ويكتسب منها إنتصارا سياسيا يدعمه ضد الإعتراضات التي يواجهها داخل أمريكا وخاصة في الكونجرس ، عن فائدة الحرب علي ايران ، وأيضا يبحث ترامب عن إنتصار سياسي يدعم موقف حزبه في إنتخابات التجديد النصفي لإعضاء البرلمان في نوفمبر القادم ، وهو الأمر الذي يخشي من فقدان ثقة الناخب الأمريكي في سياساته ، فيؤثر ذلك علي ثقة الناخب الأمريكي في دعم حزبه الجمهوري .
منذ أيام قام ترامب بعقد إجتماعا تليفونيا مع بعض دول الخليج منها السعودية ، الإمارات ، قطر ، البحرين ، بالإضافة للأردن ، كما تم توجيه الدعوه لحضور الإجتماع التليفوني لمصر وتركيا وباكستان ، ووسط دهشة القادة من توقيت الإجتماع وأسبابه ، بدأ ترامب يشرح للقادة أهمية المواجهة مع إيران ، وضروره إجبارها على قبول الشروط الأمريكية لإنهاء الحرب أو العودة للخيار العسكري وتدمير إيران بالكامل . ومحو الحضارة الفارسية . وأعتقد أن ترامب يعيش في وهم خياله .
ترامب استعرض مدعيا ما قامت به أمريكا ، وما تقوم به لحماية دول الخليج وفتح مضيق هرمز أمام حركة الملاحة العالمية ، موضحا أن أمريكا وحدها هي التي تتصدى لما يسميه ترامب بالتوسع الإيراني في المنطقة وفرض النفوذ ، وتهديد دول الخليج ، مدعيا أنه لولا أمريكا لقامت إيران بإحتلال دول الخليج وفرض نفوذها في المنطقة .
أعرب القادة عن قلقهم من إستمرار الحرب على إيران ، التي تؤدي لخسائر للإقتصاد العالمي ، خاصه مع الدعم الصيني والروسي والصلابة الإيرانية في الصمود ، مستشهدين بسنوات حربها مع العراق ، للدلاله على أن إيران لن تستسلم بسهوله ، مع الإشاره لوجود دعم صيني وروسي لإيران في كل المجالات ، و لأن القطبين الكبيرين يرفضان تماما أن تسقط إيران .
ترامب أكد أن هناك صفقة مع إيران لإنهاء الحرب ، وفتح مضيق هرمز ، وأنه لا يرغب في تسليم اليورانيوم الإيراني المخصب لكلا من الصين أو روسيا ، ويطلب تسليمه لأمريكا فقط ، والمح ترامب أن هناك خريطة أخرى لإنهاء الحرب و الضغط علي إيران ، بإنشاء تحالف سني إسرائيلي ضد إيران .
عندها ، إستفسر القادة عن الكيفيه لتحقيق ذلك ، فقال ترامب بلهجة حاده ، المطلوب الإسراع في التوقيع علي إتفاق إبراهام الذي تم توقيعه عام 2020 في واشنطن بين إسرائيل من ناحية والإمارات والبحرين و لحقتا بهما المغرب و السودان .
طلب ترامب الدول التي لم تقم بالتوقيع علي الإتفاق مع إسرائيل بالإسراع في تنفيذ ذلك ، وأن من يرفض توقيع الإتفاق الإبراهيمي مع إسرائيل سيكون ضد المصالح الأمريكية ، ولن يكون له دور في إنهاء الحرب على إيران أو الإطار العام للصفقة الٱمريكية الايرانية .
ساد الصمت لدقائق خلال الإجتماع ، وهنا تحدث ترامب هل أنتم لازلتم معي عبر التليفون ؟
الحرب على غزة ولبنان وعدم الإنصياع لطلب القادة العرب بإيقافها وإحترام حق الشعب الفلسطيني في الحياة علي أرضه ، ومع قيام إيران بالإعتداء عسكريا على دول الخليج وإكتشاف خدعه حماية المظلة الٱمريكية لتلك الدول .
جعلت بعض دول الخليج تعيد النظر في العلاقات مع أمريكا ، بهدوء ودون إبداء إعتراضات مباشرة مع أمريكا ، لكن من خلال الإشارة لمواقفها السابقة من التوقيع علي الٱتفاق الإبراهيمي مع إسرائيل بضروره حل القضية الفلسطينية وإقامة الدولة والحفاظ على هويتها .
لكن ما هو الإتفاق الإبراهيمي
أو إتفاق إبراهام الذي يريد ترامب من الدول الخليجية وغيرها التوقيع عليه ؟ الإتفاق الإبراهيمي يتكون من عده معاهدات للتطبيع الكامل مع إسرائيل ، يبدأ أولا بالإعتراف بإسرائيل كدولة وإقامة علاقات دبلوماسية معها ، و تم التوقيع عليه من الإمارات والبحرين في واشنطن عام 2020 ، أثناء ولاية ترامب الأولي ،ثم لحقت بهما المغرب و السودان . وهو تطبيع شامل يتعهد كلا من الموقعين عليه بالتعايش في سلام وتطبيع العلاقات .
الإتفاق الإبراهيمي أو إتفاق إبراهام كما يسمى هو تطبيع كامل ، يشمل تبادل تجاري وسياحي والتعاون في مجال التكنولوجيا والرحلات الجوية وتبادل الصادرات والواردات وإقامة العلاقات
الدبلوماسية .
وسمي بالإتفاق الإبراهيمي أو إتفاق إبراهام نسبه إلى النبي إبراهيم عليه السلام الذي يعد أبو الانبياء كرمز يجمع الديانات السماوية الثلاث للتعايش بين الثقافات في أمن و سلام .
الإتفاق الإبراهيمي يشمل أيضا نقاط في غاية الخطورة مثل التعاون الأمني وشراء أسلحة متطورة من إسرائيل ، بالإضافة لتطبيع دبلوماسي وإقتصادي وإلغاء المقاطعة مع إسرائيل ، وعقد إتفاقيات للتجارة الحرة والإستثمارات المشتركة وتطبيع أمني وإستخباراتي وعسكري .
الإتفاق يؤكد أيضا على تبادل المعلومات مع إسرائيل ، والتطبيع الشعبي بإلغاء تأشيرات الدخول من وإلى البلدين . وأيضا الإعتراف السيادي وقبول دولة إسرائيل بغض النظر عن إقامه الدولة الفلسطينية .
ولجأت أمريكا للضغط على باقي الدول للإنضمام للإتفاق الإبراهيمي الذي يعني أولا الإعتراف بإسرائيل كدولة مستقلة ذات سيادة على أرضها ، وعدم الإشاره لأن اسرائيل إحتلت أراضي فلسطينية وأقامت عليها دولتها .
ترامب أعلنها صريحه ، طلب الإسراع الفوري في التطبيع مع إسرائيل خاصة من السعودية وقطر وباكستان وهي الدول التي لاتربطها علاقات دبلوماسية مع إسرائيل ، ثم يتبع بعد ذلك باقي الدول لتوحيد الصف في المواجهه مع إيران لعدم تهديد دول الخليج ، علي إعتبار أن إيران هي عدو للجميع . هكذا يتوهم ويشيع ترامب .
ترامب يقوم بالضغط علي السعودية للتوقيع علي إتفاق إبراهام لكونها إحدي الدول الأسلامية الكبري ولها شأن ديني ، ولكي يتبعها بعد ذلك عدة دول ، ليعلن ترامب كما يتوهم أنه لم يتنازل عن تدمير إيران ، لكنه وسع إطار السلام لإسرائيل مع الدول العربية ذات الشأن . ليبرر بعد ذلك أي إتفاق بينه وبين إيران . وجاء الموقف السعودي ليؤكد علي إستقلالية قرارها بالتوازي مع قرار القادة العرب .
الموقف المشرف لكلا من السعودية وقطر أكد على ضرورة التمسك بما سبق أن أعلنتاه من قبل ، بأن التوقيع علي الإتفاق الإبراهيمي و التطبيع مع إسرائيل يتم في إطار إنهاء الحرب على غزة وإقامة الدولة الفلسطينية وإحترام حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني .
مصر تربطها علاقات دبلوماسية مع إسرائيل ، بناء على إتفاقيه كامب ديفيد وبينهما علاقات دبلوماسية طبقا للإتفاقية الدولية وهي ملزمه لمصر . لكن مصر ترفض التطبيع الكامل إلا بشروط أعلنتها ، وهي ضرورة إحترام حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره و رفض التهجير ، وإقامة الدولة الفلسطينية والإعتراف بها والحفاظ على الأرض والهوية الفلسطينية .
أعتقد أن ترامب يسعى لتوسيع دائرة الإتفاق الإبراهيمي لصالح إسرائيل لتحقيق مكسب سياسي وشخصي فقد كان تنفيذ فكرة الإتفاق في ولايته الأولى . وفيها سعى لكسب اللوبي اليهودي كما أنه يسعى لربط الحل مع إيران بالتوقيع على الإتفاق مع إسرائيل لتوحيد الصف ضد إيران كما يزعم .
كما أن ترامب يسعى لتكوين تحالف خليجي عربي مع إسرائيل لضمان أمن إسرائيل ، وهو التحالف السني الإسرائيلي الذي فكر فيه جاريد كوشنر عام 2017 وهو زوج إبنة ترامب وكان يعمل في الإستثمار العقاري وعينه ترامب مستشاره الأول و المسؤول عن أخطر الملفات في المفاوضات الأمريكية مع إيران وملف غزة وحماس .
ترامب يتوهم أنه صانع سلام وعينه على جائزة نوبل للسلام إذا إستطاع إقناع عدد من الدول الخليجية والعربية لتوقيع إتفاق إبراهام مع إسرائيل ، سيصبح قريبا من جائزة نوبل للسلام كما يتوهم .
مصر فعلتها من قبل ، حين رفض الرئيس عبد الفتاح السيسي طلب ترامب بقبول تهجير الفلسطينيين في سيناء مقابل الحصول علي 150 مليار دولار وإسقاط ديون مصر الخارجية ، مع تكفل أمريكا بإقامة مدينة متكاملة للفلسطينيين في سيناء .
وأحسن الرئيس السيسي برفض طلب ترامب و رفض تهجير الفلسطينيين من أرضهم ، وقام السيسي بتأجيل زيارته لأمريكا لهذا السبب . مصر قالت لا لترامب من قبل حفاظا علي أمنها القومي ورفض الإملاءات الأمريكية .
وأحسنت الدول المجتمعه مع ترامب خاصة السعودية التي خصها ترامب بضرورة توقيع الإتفاق ، في إتخاذ نفس الموقف الرافض للتوقيع علي إتفاق إبراهام و التأكيد علي أنه لا توقيع علي إتفاق إبراهام إلا بالشروط العربية وهي حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإنشاء دولته المستقلة و الإعتراف بها .
ترامب يستحق بالفعل جائزه الرجل الذي دمر وخرب الأمن و الإقتصاد في العالم ، ويتلذذ برؤية جثث الأبرياء في غزة ولبنان وإيران لإرضاء اللوبي اليهودي الذي يحركه ويخشي من فضح تاريخه الملوث .