قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

د.محمد عسكر يكتب: حين أصبحت السوشيال ميديا ساحات لتصفية الحسابات الشخصية

د. محمد عسكر - إستشارى نظم المعلومات والأمن السيبرانى
د. محمد عسكر - إستشارى نظم المعلومات والأمن السيبرانى

في السنوات الأخيرة، تحولت منصات التواصل الاجتماعي من فضاءات للتعارف وتبادل المعرفة والأفكار إلى ساحات مفتوحة تُعرض فيها الخلافات الشخصية على مرأى من الجميع. ولم يعد من المستغرب أن يجد المتابع نفسه شاهدًا على نزاع بين زوجين، أو خصومة بين أصدقاء، أو خلافات عائلية تُبث عبر منشورات وتعليقات ورسائل مبطنة ومباشرة. هذه الظاهرة التي تتسع يومًا بعد يوم تستحق الوقوف عندها، ليس فقط بوصفها سلوكًا فرديًا، بل باعتبارها مؤشرًا على تحولات أعمق في ثقافة التواصل الإنساني.
لقد كانت الخلافات الشخصية جزءًا طبيعيًا من حياة البشر منذ القدم، غير أن الفارق الجوهري يكمن في أن هذه الخلافات كانت تُدار داخل نطاقها الطبيعي، بين الأطراف المعنية أو ضمن دوائر اجتماعية محدودة. أما اليوم فقد أتاحت التكنولوجيا إمكانية نقل المشاعر والانفعالات إلى فضاء عام يضم مئات أو آلاف المتابعين، الأمر الذي جعل الخصومات الخاصة تتحول إلى مادة للاستهلاك الجماهيري، وإلى مشاهد يومية يتابعها الغرباء كما لو كانت عرضًا مفتوحًا.
ومن اللافت أن كثيرًا من هذه الرسائل لا تأتي في صورة اتهامات مباشرة، بل تتجسد في منشورات غامضة واقتباسات منتقاة بعناية وصور وتعليقات تحمل معاني خفية يفهمها الطرف المقصود قبل غيره. ويعكس هذا الأسلوب رغبة في التعبير عن الغضب أو الاستياء دون تحمل المسؤولية الكاملة عن المواجهة المباشرة. أما حين تتحول الخلافات إلى تبادل علني للاتهامات، فإنها تكشف عن تراجع قدرة الأفراد على إدارة النزاعات بالحوار الهادئ والخصوصية اللازمة.
ولا يمكن فهم هذه الظاهرة بمعزل عن طبيعة منصات التواصل نفسها. فهذه المنصات تقوم في جوهرها على جذب الانتباه وتحفيز التفاعل، وكلما كان المحتوى أكثر إثارة للجدل أو ارتباطًا بالعواطف الشخصية، ازدادت فرص انتشاره. وهكذا يجد بعض الأشخاص في النشر العلني وسيلة للحصول على التعاطف أو التأييد أو حتى الشعور بالانتصار الرمزي أمام الطرف الآخر. وفي أحيان كثيرة يتحول الجمهور من مجرد متابعين إلى قضاة يصدرون أحكامهم دون معرفة كاملة بالوقائع.
غير أن الثمن الاجتماعي لهذا السلوك يبدو مرتفعًا. فالخلافات التي تُنشر على الملأ نادرًا ما تنتهي إلى حلول حقيقية، بل غالبًا ما تتفاقم بفعل التدخلات الخارجية والتعليقات المتحيزة. كما أن كشف تفاصيل الحياة الخاصة يترك آثارًا طويلة الأمد على العلاقات الإنسانية، ويؤدي إلى تآكل الثقة بين الأطراف المتنازعة. والأسوأ من ذلك أن الأبناء والأقارب والأصدقاء قد يصبحون ضحايا جانبيين لصراعات كان يمكن احتواؤها بعيدًا عن الأعين.
وتكشف هذه الممارسات عن أزمة أوسع تتعلق بثقافة التواصل المعاصرة. فكلما اتسعت مساحة التعبير الرقمي، تراجعت أحيانًا مهارات الحوار المباشر والإصغاء والتفاهم. لقد أصبح بعض الناس أكثر استعدادًا لكتابة منشور طويل يهاجم فيه شخصًا ما، وأقل استعدادًا للجلوس معه في حوار صريح يهدف إلى حل المشكلة. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: فوسائل التواصل التي وُجدت لتقريب الناس قد تتحول أحيانًا إلى أدوات لتعميق المسافات بينهم.
إن مواجهة هذه الظاهرة لا تتحقق بالدعوة إلى الانسحاب من العالم الرقمي، بل بترسيخ ثقافة استخدام أكثر وعيًا ومسؤولية. ويبدأ ذلك بإعادة الاعتبار لمبدأ الخصوصية واحترام الحدود بين العام والخاص، وتعزيز مهارات الحوار المباشر وحل النزاعات بعيدًا عن الجمهور. كما يقع على المؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية دور مهم في نشر ثقافة التواصل الراشد، وتوعية الأفراد بمخاطر تحويل المنصات الرقمية إلى ساحات لتصفية الحسابات الشخصية.
ومن المفيد كذلك أن يتبنى المستخدمون قاعدة بسيطة قبل نشر أي رسالة انفعالية: هل سأقول الكلام نفسه بالطريقة نفسها لو كان الطرف الآخر يجلس أمامي؟ إن الإجابة الصادقة عن هذا السؤال قد تمنع كثيرًا من المنشورات التي تُكتب في لحظة غضب وتترك آثارًا يصعب محوها لاحقًا.
في النهاية، تظل وسائل التواصل الاجتماعي أداة محايدة في ذاتها، لكن قيمتها تتحدد بالطريقة التي نستخدمها بها. وإذا كان العالم الرقمي قد منحنا قدرة غير مسبوقة على التعبير، فإنه يحمّلنا في المقابل مسؤولية أكبر في ضبط هذا التعبير. فليس كل ما نشعر به يجب أن يُنشر، وليس كل خلاف يستحق أن يتحول إلى قضية عامة. وما تحتاجه مجتمعاتنا اليوم ليس مزيدًا من الضجيج الرقمي، بل مزيدًا من الحكمة في إدارة الاختلاف، وصونًا للعلاقات الإنسانية من أن تصبح مجرد محتوى عابر على الشاشات.