قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

عبد السلام فاروق يكتب : شرق أوسط بلا أوهام

عبد السلام فاروق
عبد السلام فاروق

لا تكاد منطقة في العالم تضاهي الشرق الأوسط في قدرته العجيبة على اصطناع الأوهام، ثم جني الخيبات المرة من صلبها. وإذا كان هذا هو ديدنه، فإن الواجب الأول الذي يفرضه أي تفكير سياسي جاد هو واجب ذو طبيعة سلبية في أساسه، وهو  تفكيك هذه الأوهام، وتجريدها من شرعيتها المزعومة، وزعزعة الأرض الهشة التي ترتكز عليها، قبل أن يسقط سقف الواقع فوق رؤوس الجميع. هذا هو بالضبط ما تعاني النخبة العربية من افتقاد حاد له، إذ استنفدت جهدها في خيارين لا ثالث لهما: الاستغراق في ترميم أوهامها الذاتية وتزيينها، أو الانشغال بتصديق الأوهام التي يصوغها الآخرون عنها.
لا بد أن نبدأ من النقطة الجوهرية. هناك أسطورة تأسيسية عمرها ثلاثة عقود، مفادها أن السلام والاستقرار يشكلان القاعدة في هذه الديار، وأن الحروب والاضطرابات مجرد استثناء طارئ يتبدد سريعاً. هذا الاعتقاد ليس مجرد خطأ في التقدير، إنما هو تزييف صارخ للتاريخ. إن ما شهدته هذه الرقعة من أطراف الأناضول شمالاً حتى ممرات هرمز جنوباً، ومن سواحل المتوسط غرباً حتى صحارى الجزيرة شرقاً، لم يكن سوى الفوضى المنظمة، والتوازنات القلقة، والحروب الصغرى والوسطى التي تندلع فور اختلال موازين القوى. إن الاستقرار، بذلك المفهوم المألوف في التجربة الأوروبية أو الأمريكية، لم يشكل في أي يوم عنصراً عضوياً في نسيج التاريخ الحقيقي لهذه الجغرافيا. ما حدث بعد انهيار الاتحاد السوفيتي لم يكن أكثر من استثناء أمريكي مرحلي، كان عبارة عن تجميد للصراعات لا حلاً جذرياً لها. واليوم، مع تراجع القدرة الأمريكية على إدامة حالة التجميد هذه، تعود المنطقة إلى قوانينها الأصلية. ليس ما نعيشه الآن أزمة طارئة، بل هو استئناف للمسار التاريخي الطبيعي. ومن يصر على تسميته أزمة، إنما يصر بعناد على وهمه الذاتي.

لكن هذه الأسطورة المركزية لا تقف وحدها. ثمة ثلاث خرافات فرعية، أو لنقل ثلاثة أوهام، تستوجب تفكيكاً منهجياً بارداً.
الوهم الأول، وهو الأشد تجذراً في العقل السياسي العربي على وجه الخصوص، يكمن في تصنيف كل تفجر عنيف كحالة استثنائية لا تتكرر. كل حرب توصف بأنها الأخيرة، وكل مواجهة يعلن أنها "نقطة تحول فاصلة لن يعود بعدها أي شيء إلى ما كان عليه". ثم لا تمضي سنوات قليلة حتى نسمع العبارات ذاتها، وكأن شيئاً لم يحدث. هذه الذاكرة القصيرة ليست بريئة بأي حال، هي ميكانيزم دفاع نفسي يتيح لنا تجنب التعلم من التجربة. التعلم مؤلم، إذ يقتضي مراجعة ثوابتنا ومسلماتنا، وتفكيك هذه المسلمات يهدد مصالح راسخة. من هنا، كان الاختيار الأسهل دوماً وصف كل زلزال بأنه استثناء عابر، لنتمكن بعد انقشاع العاصفة من معاودة ما كنا فيه، دون أن نمَس طريقة تفكيرنا بأي تغيير. هذا الوهم يتحمل المسؤولية الأولى عن تكرار المآسي ذاتها في حلقة مغلقة.


أما الوهم الثاني، فيتمثل في اعتبار الردع مجرد مفهوم أكاديمي يصلح لقاعات الدرس لا لصخب الممارسة اليومية. لا شيء أبعد عن الصحة من هذا! فالردع في منطقتنا ليس نظرية، بل هو العملة الصعبة الوحيدة المتداولة. من يعجز عن إدراك هذا، يعجز بالضرورة عن إدراك ما يدور حوله. لنأخذ إيران كمثال. يتردد في وسائل الإعلام كلام عن "الملالي" و"الأيديولوجيا" و"اللاعقلانية الفارسية"، وهذا خطاب موجه للاستهلاك الداخلي ليس أكثر. ما يحرك طهران ليس نزوعاً أيديولوجياً، لكن  حسابات استراتيجية باردة غاية في الدقة. 

لقد خلص الإيرانيون من تجاربهم الممتدة، وبالأخص من حرب الأعوام الثمانية مع العراق، إلى حقيقة محورية: الهدنة التي تأتي قبل دفع الثمن كاملاً ليست سلاماً، بل هي مهلة للمعتدي يضمد فيها جراحه استعداداً للعودة. لهذا السبب تراهم اليوم يمتنعون عن وقف إطلاق النار، ليس بدافع التطرف، بل بدافع من عقلانية صارمة ترى أن تحمل التكلفة الآن أقل كلفة من تحملها لاحقاً، وأن الألم العابر هو استثمار في رادع دائم. هذه فيزياء القوة في صورتها المجردة، لا الأيديولوجيا. ومن يأبى فهمها تحت يافطة محاربة "الإرهاب" أو "التطرف"، إنما يأبى التعامل مع العالم كما هو في حقيقته.


الوهم الثالث، وهو الأعمق أثراً لأنه يحدد مسار السياسة الدولية، هو الاعتقاد بأن واشنطن ما تزال تمسك بزمام المبادرة. هذا الوهم لا يستوطن العقل العربي وحده، لكن  يسكن العقل الأمريكي ذاته، وهنا مكمن الخطر. 

صانع القرار في واشنطن أسير فقاعته، ولا يزال يتصور أن الآخرين يترقبون تعليماته ليحددوا خطوتهم التالية. الواقع أن الفاعلين الإقليميين تجاوزوا هذه المرحلة منذ أمد. إيران تتحرك انطلاقاً من مبادرتها الذاتية، وتركيا تفعل المثل. وحتى دول الخليج، التي ظلت تاريخياً في الفلك الأمريكي، شرعت في تنويع محفظة خياراتها، ليس حباً في طهران ولا كرهاً لواشنطن، بل إدراكاً متأخراً أن الرهان الأوحد على الجواد الأمريكي بات خاسراً. المظلة الأمريكية التي وفرت الأمان لعقود أصابها الاهتراء، والاتكال عليها حصراً أضحى ضرباً من المقامرة غير المحسوبة.


والشواهد على هذا التخبط الأمريكي ليست خافية. تأملوا التصريحات المتضاربة: وزير الخارجية يحذر من خطر "داهم"، ونائب الرئيس يتحدث عن برنامج نووي تقول الوكالة الدولية إنه لم يستأنف. الرئيس يتوعد بتدمير القدرات، ووزير الدفاع يطمئن إلى تقليص التهديد. ليس هذا تبايناً في وجهات النظر،  إنه فراغ في الاستراتيجية. حين تبعث الدولة الكبرى إشارات بهذا المستوى من التناقض، فهي توجه لخصومها رسالة فحواها: "نحن لا نعرف ماذا نريد". وفي فضاء الردع، هذه دعوة مفتوحة للآخرين لاختبار حدود إمكانياتك.


بموازاة ذلك، يدور في عواصم الخليج تحول أعمق دلالة. هناك حراك هادئ ورصين صوب ما يحق لنا تسميته "العقلانية الخليجية الجديدة". إنه وعي متأخر، لكنه رصين وحقيقي، بأن استقرار الخليج لا يمكن أن يبنى على إقصاء إيران. الجغرافيا قدر لا سبيل إلى مغالبته، وإيران جارة كبرى عصية على الإلغاء. سياسة الاستبعاد لم تفضِ إلى غير حروب بالوكالة استنزفت الجميع. من هنا، يتصاعد مفهوم الترتيبات الأمنية التشاركية التي تضم إيران، لا حباً فيها، بل إقراراً بالحتمية. هذه نزعة براجماتية من الطراز الرفيع، سؤالها الوحيد ما الذي ينجح؟ لا ما الذي يستهوينا؟


أما المفارقة الكبرى، فهي أن الحكومة الإسرائيلية المتطرفة ، التي تراهن على استمرار الحرب ظناً أنها فرصة ذهبية لتصفية حسابات تاريخية، قد تكون بصنيعها هذا هي من يدفع نحو النتيجة التي تخشاها أكثر من غيرها، تقارب خصومها. فلا شيء يوحّد المتفرقين كما يفعل عدو مشترك يمعن في استخدام القوة. إنه درس تاريخي معاد، لكن أحداً في تل أبيب لا يبدو أنه اطلع عليه.


في الختام، لسنا إزاء أكثر من ثلاثة مسارات: حرب شاملة لا يريدها أحد، لكنها قد تندلع بفعل خطأ في التقدير. حالة "لا حرب ولا سلم" تستنفد قدرات الجميع بلا جدوى. وتفاهم هش لكنه قابل للاستمرار، يقتضي من واشنطن كسر قوقعتها، ومن طهران الجمع بين الصلابة الميدانية والمرونة التفاوضية، ومن العرب التسليم بفرضية التعايش مع جيرانهم بدل انتظار من يريحهم منهم.


ما يجري ليس نهاية التاريخ ولا بدايته. إنه، في جوهره، معاينة للسياسة كما تمارس في إقليم لم يعرف سوى القوة وسيطاً للتفاهم. والذين يمعنون في انتظار الاستقرار كي يعودوا إلى "الطبيعي"، عليهم أن يفهموا أن الطبيعي هو ما تقع عليه أعينهم اليوم. كل ما عداه كان السراب. تفكيك الوهم هو المدخل الإجباري لأي سياسة عاقلة. والسؤال ليس هل سنقدم على ذلك؟ بل متى؟ وكم سنحتاج من زمن إضافي ومن خسائر متراكمة حتى نقتنع؟