قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

شحاته السيد يكتب : الفرق بين الخوارزمية وحامل الأسفار؟

شحاتة السيد
شحاتة السيد

كلما تعمقت أكثر في الشبكات العصبية وفلسفة العقل خلال رحلتي في ماجستير الشبكات العصبية، اكتشفت أن الأسئلة الكبيرة لا تأتي دائما في هيئة مصطلحات معقدة أو معادلات رياضية يصعب فهمها، بل أحيانا تأتي في صورة سؤال بسيط إلى درجة تدفعك للابتسام قبل أن تدرك أنه أخطر مما يبدو. 

من بين هذه الأسئلة سؤال ظل يرافقني خلال رحلة طويلة بين الخوارزميات والنماذج اللغوية والشبكات العصبية: ما الفرق بين الخوارزمية والحمار؟

في البداية يبدو السؤال غير متوازن:- كيف يمكن أصلا أن نقارن بين كيان حسابي يقف خلف أعقد تقنيات العصر وبين حيوان ارتبط في الوعي الجمعي بالبساطة والعمل المتكرر؟ 

لكن مع الوقت بدأت أكتشف أن المشكلة ليست في المقارنة نفسها، بل في المعيار الذي نقيس به الأشياء. فنحن أبناء عصر يؤمن أن الذكاء هو القيمة الأعلى، وأن القدرة على الحساب والتحليل والتنبؤ هي المقياس النهائي للتفوق، حتى أصبحنا ننظر إلى العالم كله من خلال هذه العدسة الضيقة، ولهذا حين نرى خوارزمية قادرة على تحليل ملايين البيانات خلال ثوان معدودة نشعر بالانبهار، بينما لا نتوقف كثيرا أمام كائن حي يسير فوق الأرض ويختبر العالم لحظة بلحظة.

ذات مرة كنت أقرأ ورقة علمية عن النماذج العصبية الضخمة، وكانت الأرقام مذهلة بالفع، مليارات المعاملات الرياضية تتحرك داخل النموذج، ومئات المليارات من الكلمات التي مرت عليه أثناء التدريب، وقدرة استثنائية على التنبؤ بالكلمة التالية حتى يبدو وكأنه يفهم ما يكتب... وبينما كنت أتابع تفاصيل البنية الرياضية للنموذج، وجدت نفسي أتخيل مركز البيانات الذي يعمل داخله. 

صفوف طويلة من الخوادم تمتد إلى ما لا تراه العين، مراوح لا تتوقف عن الدوران، نبض إلكتروني مستمر، وطاقة تكفي لإضاءة أحياء كاملة، كل هذا يحدث لكي تنتقل مجموعة من الأرقام من حالة إلى أخرى داخل فضاء رياضي بالغ التعقيد.

وفي اللحظة نفسها تقريبا، وجدت ذهني يقفز إلى صورة أخرى مختلفة تماما... حمار يسير في طريق ترابي قديم عند الغروب، لا توجد معالجات، ولا بطاقات رسومية، ولا مراكز بيانات عملاقة. فقط كائن حي يتحرك ببطء، يشعر بخشونة الأرض تحت أقدامه، ويرفع رأسه كلما مر نسيم بارد بين الأشجار. 

من هنا بدأ السؤال يأخذ شكلا مختلفا:- أيهما أقرب إلى العالم الحقيقي؟ ذلك النظام الذي يستطيع وصف ملايين المشاهد دون أن يرى واحدا منها، أم ذلك الكائن البسيط الذي قد لا يستطيع وصف أي شيء لكنه يعيش كل شيء؟

كلما تأملت هذا السؤال ازداد اقتناعي بأننا ربما خلطنا بين الذكاء والوجود. 

الخوارزمية تستطيع أن تصف الألم بدقة مذهلة، وأن تجمع ملايين النصوص التي تتحدث عنه، وأن تبني نماذج إحصائية للتنبؤ به، لكنها لا تستطيع أن تتألم. تستطيع أن تكتب قصيدة عن الحب، وأن تحلل آلاف الروايات التي تناولته، لكنها لا تستطيع أن تحب. 

تستطيع أن تشرح الخوف بيولوجياً ونفسياً وفلسفياً، لكنها لا تستطيع أن تخاف. هي تعرف أوصاف الأشياء، لكنها لا تعيشها. وبين معرفة الوصف ومعايشة التجربة مسافة أوسع مما نتخيل.

المثير أن معظم الناس لا ينتبهون إلى هذه الفجوة لأنهم مأخوذون بسحر النتائج... حين ترى آلة تهزم أبطال العالم في الشطرنج، أو تكتب مقالاً، أو تولد صورة لمشهد لم يوجد قط، يصبح من السهل أن تفترض أنها تقترب من الإنسان. لكن الاقتراب من سلوك الإنسان لا يعني الاقتراب من تجربة الإنسان. 

وأضرب مثالاً بالممثل البارع الذي يستطيع أن يقلد الحزن بإتقان شديد، ومع ذلك قد لا يكون حزينا. والصوت المسجل يستطيع أن يردد كلمات الحب آلاف المرات دون أن يشعر بشيء. والمحاكاة، مهما بلغت دقتها، تظل شيئاً مختلفاً عن المعايشة.

ولهذا أحيانا أشعر أن أكبر إنجاز حققته الخوارزميات الحديثة أنها كشفت لنا كم كنا نجهل طبيعة وعينا نحن. فكلما أصبحت النماذج أكثر قدرة على تقليد اللغة والتفكير والاستنتاج، ازداد السؤال غموضاً، إذا كانت هذه الأنظمة قادرة على إنتاج سلوك يبدو ذكياً دون أن تمتلك وعيا، فماذا يعني ذلك بالنسبة لنا؟ وما الذي يجعل وعينا مختلفاً عن مجرد معالجة معقدة للمعلومات؟

حين ننتقل من علوم الحاسوب إلى فلسفة العقل يصبح المشهد أكثر إثارة. هناك سؤال قديم ما زال يربك العلماء والفلاسفة حتى اليوم: كيف تتحول المادة إلى تجربة؟ كيف تتحول الإشارات الكهربائية داخل الدماغ إلى شعور بالفرح أو الحزن أو الدهشة؟ كيف يمكن لمليارات الخلايا العصبية التي تتبادل النبضات أن تنتج في النهاية إحساساً داخلياً بالحياة؟

كلما قرأت أكثر في هذا السؤال، شعرت أن المسافة بين الخوارزمية والحمار تزداد اتساعاً لا تقلصاً. لأن الحمار، رغم بساطته، يمتلك تجربة داخلية للعالم. قد تكون محدودة، وقد تكون مختلفة عن تجربتنا البشرية، لكنها موجودة. 

هناك شيء ما يحدث داخله حين يشعر بالجوع، أو حين يخاف، أو حين يرتاح تحت ظل شجرة في يوم حار. أما الخوارزمية فلا يوجد داخلها أحد يشعر بأي شيء. لا يوجد مراقب داخلي يتابع ما يحدث. لا يوجد ذات تختبر النتائج. هناك فقط حسابات تتدفق من نقطة إلى أخرى.

وربما لهذا السبب تبدو بعض النقاشات حول الذكاء الاصطناعي متعجلة جداً. 

نحن نتحدث كثيرا عن متى ستصبح الآلة أذكى من الإنسان، بينما السؤال الأكثر أهمية قد يكون مختلفاً تماماً. هل يمكن للآلة أن تختبر العالم كما يختبره كائن حي؟ هل يمكنها أن تمتلك شعورا ذاتياً بوجودها؟ هل يمكنها أن تنظر إلى السماء عند الغروب وتشعر بشيء لا يمكن اختزاله في أرقام؟

كلما حاولت الإجابة عن هذه الأسئلة، وجدت نفسي أعود إلى مشاهد بسيطة من الحياة اليومية. طفل يضحك لأول مرة حين يرى البحر. أو رجل مسن يجلس أمام منزله القديم ويتأمل سنوات عمره. أو أم تحتضن طفلها بعد غياب طويل. 

هذه اللحظات تبدو عادية جداً، لكنها تحمل في داخلها شيئاً لا نعرف كيف نصنعه هندسياً، في الوقت نفسه يمكن للخوارزمية أن تصفها، وأن تكتب عنها، وأن تحللها لغوياً، لكنها لا تستطيع أن تكون جزءاً منها.

هنا تحديداً يبدأ الفرق الحقيقي بين الخوارزمية والحمار. ليس في مستوى الذكاء، وليس في القدرة على التعلم، وليس حتى في التعقيد. الفرق يكمن في أن أحدهما يعيش داخل العالم، بينما الآخر يبني تمثيلات رياضية عنه. أحدهما يختبر الزمن، والآخر يعالج بيانات مرتبطة به. أحدهما يشعر بحرارة الشمس فوق جلده، والآخر يستطيع حساب درجة الحرارة بدقة أكبر من أي كائن حي.

كلما تعمقت في هذا الفارق، أدركت أن الإنسان نفسه يقف في منطقة وسطى بين الطرفين. لأننا نمتلك قدرة حسابية هائلة مقارنة بمعظم الكائنات الحية، لكننا في الوقت نفسه نعيش العالم ونشعر به. ن

حن نبني الخوارزميات لأن لدينا عقولاً قادرة على التجريد، لكننا نكتب الشعر لأن لدينا أرواحاً قادرة على الإحساس. نحن نحلل الظواهر علمياً، ثم نقف أحياناً أمام مشهد طبيعي بسيط عاجزين عن تفسير سبب تأثيره العاطفي فينا.

وربما لهذا السبب أيضا لا أرى الذكاء الاصطناعي كمنافس للإنسان بقدر ما أراه مرآة تكشف له نفسه. فكل تقدم جديد في هذا المجال لا يخبرنا فقط بما تستطيع الآلات فعله، بل يخبرنا أيضا بما يجعلنا بشراً. وكل نموذج جديد يجبرنا على إعادة التفكير في أسئلة كنا نظن أننا حسمناها منذ زمن. ما هو العقل؟ ما هو الوعي؟ وما الذي يجعل التجربة الحية مختلفة عن أي وصف لها؟

وأخيراً أعود إلى السؤال الأول فأجده مختلفاً تماماً عما بدا عليه في البداية. لم يعد سؤالا ساخرا، ولم يعد مقارنة بين كائن بسيط وتقنية معقدة. 

لقد تحول إلى نافذة ننظر من خلالها إلى أحد أعمق ألغاز الوجود. لأن الفرق بين الخوارزمية والحمار ليس فرقاً بين الذكاء والغباء كما قد يظن البعض، بل فرق بين من يحسب العالم ومن يعيش فيه، بين من يصف التجربة ومن يختبرها، بين من يعرف الطريق كمعادلة ومن يعرفه كرحلة.

ولهذا، كلما سمعت حديثا متحمساً عن اقتراب الآلات من الإنسان، أتذكر ذلك الحمار الذي يسير بهدوء في طريق ترابي عند الغروب، بينما تتوهج في مكان بعيد آلاف الخوادم داخل مركز بيانات عملاق. أحدهما يستطيع أن يحسب العالم بدقة مذهلة، والآخر يعيش لحظة واحدة منه بكل ما تحمله من دفء وغموض ومعنى. وحتى هذه اللحظة، ما زالت تلك اللحظة الواحدة سراً أعقد من كل الخوارزميات التي عرفها الإنسان.