لم يعد الهاتف المحمول في عالمنا المعاصر مجرد وسيلة للاتصال وإجراء المكالمات وتبادل الرسائل بل أصبح جزءًا أصيلًا من الحياة الرقمية للمواطن وارتبطت به حسابات إلكترونية وخدمات مصرفية ومحافظ مالية ومنصات للتواصل ومجموعة متزايدة من الخدمات الحكومية والخاصة. ومن هنا فإن الحديث عن خطوط محمول مسجلة بأسماء مواطنين لا يعلمون عنها شيئًا لا ينبغي أن ينظر إليه باعتباره مشكلة إدارية بسيطة وإنما باعتباره قضية تتصل بأمن الهوية الرقمية وخصوصية البيانات وحماية المواطن من احتمالات إساءة استخدام بياناته المفارقة التي تستحق التوقف أمامها أن القواعد التنظيمية المعمول بها في مصر تضع بالفعل ضوابط واضحة لبيع شرائح المحمول للأفراد. فالمواطن المصري مطالب عند شراء شريحة جديدة بالتوجه إلى فرع شركة المحمول وتقديم أصل بطاقة الرقم القومي السارية ويقوم موظف نقطة البيع بالتحقق من صحتها.
كما يشترط حضور العميل شخصيًا للتوقيع على أصل عقد التعاقد وتسلم نسخة منه وتحدد القواعد كذلك عدد الخطوط التي يمكن تسجيلها على الرقم القومي الواحد لدى كل شركة ومن هنا يطرح المواطن سؤالًا مشروعًا وبسيطًا لكنه عميق الدلالة إذا كانت هذه الإجراءات موجودة فلماذا يكتشف البعض وجود أرقام مسجلة بأسمائهم وهم لا يعرفون عنها شيئًا؟ والإجابة المنطقية تقتضي أولًا ألا نتسرع في تفسير كل حالة باعتبارها واقعة تزوير أو تسريب بيانات لأن وجود رقم غير معلوم للمواطن قد تكون له أسباب متعددة منها أخطاء في التسجيل أو بيانات قديمة لم يتم تحديثها أو تعاقدات سابقة أو مخالفات حدثت خارج القنوات والإجراءات المقررة، ولذلك فإن الفيصل الحقيقي في كل حالة هو الفحص والتدقيق في تاريخ الخط ومصدر تسجيله والمستندات التي استند إليها التعاقد ونقطة البيع التي قامت بالإجراء لكن وجود احتمالات متعددة لا يقلل من أهمية المشكلة بل يزيد من ضرورة التعامل معها بمنظومة أكثر إحكامًا فالضابط التنظيمي لا يحقق الغرض منه بمجرد وجوده على الورق وإنما يقاس نجاحه بمدى القدرة على تطبيقه ومراقبته واكتشاف أي تجاوزات في أسرع وقت ممكن وهنا تظهر أهمية الرقابة على منافذ بيع الشرائح وعلى الإجراءات التي يتم من خلالها تسجيل بيانات العملاء وكذلك أهمية وجود آليات إلكترونية دقيقة وقابلة للمراجعة تمكن الجهات المختصة من معرفة المسار الكامل لأي خط منذ لحظة تسجيله والأمر لا يتعلق فقط بحماية المواطن من مكالمة مزعجة أو استخدام غير مرغوب فيه لرقم مسجل باسمه.
فالهاتف أصبح بوابة إلى عالم واسع من الخدمات الرقمية وقد يرتبط الخط بمحفظة إلكترونية أو حسابات وتطبيقات مختلفة ولذلك فإن أي خلل في ملكية الخط أو بياناته يمكن أن يتحول إلى مشكلة أكبر إذا لم يتم اكتشافه ومعالجته مبكرًا كما أن إساءة استخدام خط مسجل باسم شخص آخر قد تضع المواطن في موقف يحتاج فيه إلى إثبات أنه لم يكن المستخدم الفعلي للخط ولهذا فإن حماية بيانات التسجيل ليست رفاهية تقنية وإنما جزء من حماية الحقوق القانونية للمواطن ومن الإنصاف كذلك أن ندرك أن المسؤولية هنا ليست مسؤولية الدولة وحدها ولا شركات الاتصالات وحدها وإنما هي مسؤولية مشتركة تبدأ من المواطن نفسه فالجهاز القومي لتنظيم الاتصالات أتاح خدمة أرقامي من خلال تطبيق My NTRA حتى يتمكن المواطن من معرفة عدد الخطوط المسجلة باسمه لدى شركات المحمول بل وأصبح بإمكانه التعرف على الأرقام المسجلة باسمه ثم اتخاذ الإجراءات المناسبة تجاه الخطوط التي لا يعرفها.
وهنا أرى أن استخدام المواطن لهذه الخدمة ينبغي أن يتحول إلى عادة دورية ضمن مفهوم جديد للأمن الرقمي فكما يراجع المواطن حسابه البنكي ويتأكد من معاملاته المالية يجب أن يعرف أيضًا ما هي الخطوط المسجلة باسمه وألا ينتظر حتى تحدث مشكلة حتى يبدأ في البحث عنها، فالمعلومة في حد ذاتها وسيلة حماية وكلما اكتشف المواطن الخطأ في وقت مبكر كانت معالجة آثاره أكثر سهولة وتزداد أهمية هذه المسألة في ظل تزايد عمليات الاحتيال الإلكتروني وسرقة الهوية واستغلال البيانات الشخصية فقد حذر الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات المواطنين بالفعل من مشاركة بيانات بطاقة الرقم القومي مع المواقع والتطبيقات غير الموثوقة مؤكدًا أن إساءة استخدام هذه البيانات قد تعرض المواطنين لمخاطر سرقة الهوية وانتهاك الخصوصية ومن وجهة نظري فإن الحل لا ينبغي أن يتوقف عند مطالبة المواطن بالذهاب إلى شركة المحمول لإلغاء الخط غير المعروف وإنما يجب أن ننتقل من مرحلة اكتشاف المشكلة إلى مرحلة منع حدوثها أصلًا وذلك من خلال تطوير منظومة التحقق الرقمي عند التعاقد بحيث يصبح تسجيل الخط مرتبطًا بعملية تحقق أكثر قوة ويصعب معها استخدام بيانات شخص آخر دون علمه. كما يمكن تعزيز عمليات التدقيق الدوري على منافذ البيع وتحليل الأنماط غير الطبيعية في عمليات تسجيل الشرائح بحيث تظهر المخالفات مبكرًا قبل أن تتحول إلى ظاهرة واسعة ومن الحلول المهمة كذلك أن تكون هناك قابلية أكبر للتتبع والمراجعة داخل منظومة التعاقد، بحيث يمكن معرفة متى تم تسجيل الخط وأين تم تسجيله ومن أي منفذ وما المستند الذي تم الاعتماد عليه ومتى تم تفعيله وأي إجراءات لاحقة تمت عليه، فوجود سجل إلكتروني متكامل وقابل للمراجعة لا يحمي المواطن فقط وإنما يحمي شركات الاتصالات نفسها من الادعاءات غير الصحيحة ويجعل تحديد المسؤولية أكثر دقة في حالة وقوع أي مخالفة.
كما أن الرقابة على منافذ البيع غير الرسمية يجب أن تحظى باهتمام مستمر، لأن أي منظومة تنظيمية مهما كانت محكمة يمكن أن تتعرض للضعف إذا وجدت قنوات غير رسمية تبيع الشرائح بعيدًا عن الضوابط. وفي هذا السياق فإن دور الجهات الرقابية لا ينبغي أن يكون رد الفعل بعد وقوع المشكلة فقط بل يجب أن يعتمد على التفتيش الوقائي والتحقق المستمر من مدى التزام جميع المنافذ بالإجراءات المعتمدة. وفي المقابل يجب ألا نغفل جانب التوعية فالكثير من المواطنين لا يدركون أن صورة بطاقة الرقم القومي أو بياناتها يمكن أن تكون ذات قيمة كبيرة بالنسبة لمن يحاول استغلال الهوية الرقمية ولذلك ينبغي أن تستمر حملات التوعية بصورة مبسطة ومباشرة لتوضيح متى يجوز تقديم بيانات الهوية ومتى ينبغي الامتناع عن ذلك. وقد دعا الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات بالفعل إلى عدم مشاركة بيانات بطاقة الرقم القومي إلا مع المواقع والتطبيقات الموثوقة.
وأعتقد أن هناك حاجة أيضًا إلى تبسيط رحلة الشكوى أمام المواطن فإذا اكتشف رقمًا لا يعرفه فإن المطلوب ألا يتحول الأمر إلى رحلة طويلة بين الشركة والجهات المختلفة بل ينبغي أن تكون هناك آلية واضحة تبدأ بالاستعلام وتنتهي بإغلاق المشكلة مع إتاحة وسيلة للمواطن لمعرفة ما تم بشأن شكواه وفي الحالات التي لا يتم فيها الوصول إلى حل مع مقدم الخدمة يستطيع المواطن تصعيد شكواه إلى الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات الذي يعمل كمستوى ثانٍ لتلقي الشكاوى بعد استنفاد وسائل الحل مع مقدم الخدمة ويوفر لذلك قنوات متعددة من بينها الرقم المختصر 155.
إن القضية في جوهرها أكبر من مجرد خطوط محمول غير معروفة إنها اختبار حقيقي لقدرتنا على إدارة الهوية الرقمية في عصر أصبحت فيه البيانات الشخصية واحدة من أهم أصول الإنسان وأكثرها حساسية ولذلك فإن حماية المواطن لا تتحقق فقط من خلال إصدار القواعد وإنما من خلال ضمان تنفيذها ومراجعتها وتطويرها باستمرار ولعل الرسالة الأهم التي ينبغي أن تصل إلى المواطن هي ألا يتعامل مع رقم الهاتف باعتباره مجرد أرقام على شاشة الهاتف فالرقم أصبح مفتاحًا للكثير من جوانب حياته الرقمية ومعرفة ما هو مسجل باسمه ليست مسألة ترف أو إجراء روتيني وإنما ممارسة أساسية من ممارسات الأمن الرقمي أما الرسالة الأهم إلى مؤسسات الدولة وشركات الاتصالات فهي أن الثقة الرقمية لا تبنى فقط بالتكنولوجيا وإنما تبنى بالشفافية وسهولة التحقق وسرعة تصحيح الأخطاء والمحاسبة عند ثبوت المخالفة فكل مواطن يجب أن يشعر أن بياناته ليست متاحة إلا في إطار قانوني واضح وأن أي خط يتم تسجيله باسمه لا يمكن أن يكون مجهول المصدر أو بلا أثر يمكن مراجعته إن بناء منظومة اتصالات آمنة لا يعني فقط أن نمنع المخالف بعد وقوعه وإنما أن نصمم النظام بطريقة تجعل المخالفة أصعب اكتشافًا وأسرع تصحيحًا وأكثر كلفة على من يحاول ارتكابها وفي المقابل تجعل حماية المواطن سهلة وميسرة وفي متناول الجميع وفي النهاية فإن التحول الرقمي الحقيقي لا يقاس بعدد الهواتف الذكية أو حجم استخدام الإنترنت وإنما بمدى شعور المواطن بالأمان وهو يستخدم هذه التكنولوجيا وكلما نجحنا في حماية هويته وبياناته كلما أصبح التحول الرقمي أداة للتقدم والثقة وليس مصدرًا جديدًا للقلق والخوف.