عادت قضية تأمين البحر الأحمر تطفو علي السطح من جديد في ظل محاولات إسرائيل التغلغل وبسط نفوذها علي بعض سواحله لتهديد الحوثيين في اليمن و السيطرة على باب المندب ، بجانب تهديد أكثر لإيران .
البحر الأحمر لم يعد ممر مائي يربط الشرق بالغرب ، بل تحول إلى كنز بحري كبير تتصارع عليه الدول الكبري تحركها المصالح الإسرائيلية ، و أيضا تتحرك عليه قوى إقليمية ودولية ، للفوز بفرض السيطرة علي جزء من سواحله .
في قلب هذا الصراع يقف خلاف قديم تجدد بفعل فاعل بين إثيوبيا الباحثة عن منفذ إلى البحر الأحمر ، وإريتريا المتمسكة بساحلها كآخر أوراق سيادتها .
وسط هذا الصراع يظهر دور إسرائيل كمحرك إساسي للصراع بدعم إثيوبيا. ليس بالدبابات فقط ، بل بالإستخبارات ، والدبلوماسية، والإعترافات السياسية، وبشبكة تحالفات مع الإمارات تهدف إلى إعادة رسم خريطة النفوذ في دول القرن الأفريقي .
عندما تقوم إسرائيل، بدعم تطلعات إثيوبيا البحرية ، فهذا ليس عملاً خيرياً . بل هو إستثمار استراتيجي و طوق أمني ضد الحوثيين في اليمن وباب المندب و أيضا إيران، وموطئ قدم على أهم شريان تجاري في العالم ، وحليف بري في قلب أعدائها .
وبالنسبة لإريتريا، فإن أي تنازل عن ميناء عصب ، يعني نهاية الدولة. وبالنسبة لمصر والسعودية، فإن قوة إثيوبيا على البحر الأحمر و معها من خلف الستار إسرائيل ، هو تهديد مباشر لا يمكن السكوت عليه .
وهكذا لم يعد الصراع بين أثيوبيا وإريتريا ثنائياً . بل صار ثلاثياً، ورباعياً ، وإقليمياً. صار صراعاً عن من يملك مفاتيح البحر الأحمر .
بعد 33 سنة على إستقلال إريتريا وخروج إثيوبيا من البحر ، عادت أزمة "المنفذ السيادي" لتتصدر المشهد في القرن الأفريقي. أثيوبيا تتحدث عن حق وجودي في الوصول للبحر الأحمر ، وإريتريا ترى أن ذلك تهديداً مباشراً لسيادتها علي ارضها، وفي المنتصف يظهر لاعب ثالث يراقب الممر المائي الأهم عالمياً وهو إسرائيل .
تحركات إسرائيل الأخيرة في جزر دهلك في إريتريا التي أخلت إسرائيل قاعدتها العسكرية ومحطات المراقبة التي استأجرتها في أرخبيل دهلك منتصف عام 2025. جاء الإنسحاب خوفاً من استهدافها مع تصاعد المواجهات العسكرية مع جماعة الحوثي في اليمن
والحرس الثوري في إيران واستهداف الملاحة في البحر الأحمر .
فقامت بالإتجاه نحو أرض الصومال وإعترفت بإستقلالها لتكشف أن الصراع لم يعد ثنائياً ، بل أصبح جزء من لعبة أوسع تشارك فيها إسرائيل للسيطرة على باب المندب .
فمنذ سقوط هيلاسلاسي إمبراطور أثيوبيا في 1974 أثر إنقلاب عسكري قاده مجلس الدرغ العسكري ، إنتهى حكماً ملكياً إستمر سنوات كثيرة وسط أزمات مجاعة وغلاء ، وتم وضعه تحت قيد الإقامة الجبرية حتي قتل في ظروف غامضة عام 1975 وتم دفنه سراً تحت قصره .
منذ ذلك الحين إسرائيل تبحث عن موطئ قدم في القرن الأفريقي . فهي من دعمت الثورة الإريترية بالأمس ، ثم تقاربت مع إثيوبيا اليوم ، والسبب واحد لم يتغير وهو النفاذ للبحر الأحمر و التحكم في باب المندب .
مع تصاعد التوترات بين إثيوبيا وإريتريا حول الموانئ والمنفذ البحري، ومع أحداث غزة التي أعادت باب المندب للواجهة، تتكشف خيوط تحالفات نسجت في الخفاء منذ عقود ، لتعود وتفرض نفسها على حاضر المنطقة.
و عادت من جديد نبرة التشدد في تصريحات أبى أحمد رئيس وزراء أثيوبيا تتجدد بإستخدام القوة ، لفرض نفوذ بلاده علي منفذ عصب البحري الذي يقع ضمن أراضي إريتريا ليكون لإثيوبيا منفذ علي البحر الأحمر . ويؤكد بأن الإستيلاء علي المنفذ البحري أمر لا مفر منه ، الأمر الذي يفسر كلامه بإستخدام القوة العسكرية .
بالعودة للتاريخ ، نجد أن إريتريا كانت جزء من أثيوبيا التي كانت تقع تحت سيطرة الإحتلال الإيطالي ثم البريطاني الذي رحل عن البلاد ، وترك أزمة تقسيم الحدود ، كعادة كل إحتلال في منطقتنا ، حتي تم الإستفتاء علي إستقلال إريتريا ووافق الشعبين الإثيوبي و الإريتري علي إستقلال إريتريا الذي تم في عام 1993 .
عقب إستقلال إريتريا ، أصبحت أثيوبيا دولة حبيسه بحريا ، ليست لديها حدود بحرية وتتعامل بحريا عن طريق جيبوتي بعد فقدها منفذ عصب البحري الذي وقع داخل أراضي إريتريا .
وأعتبر أبي أحمد التخلي عنه في غير صالح إقتصاد بلاده ، الأمر الذي جعله يقرر التغاضي عن التحالف مع إريتريا الذي كان قد تم عقب تمرد إقليم التيجراي الأثيوبي علي الحكومة وتهديده لنظام الحكم ، فتم عقد تحالف بين البلدين 2020 ضد جبهة المعارضة التيجراي ، التي كانت علي وشك دخول العاصمة الأثيوبية أديس أبابا أنذاك .
عندما تم القضاء علي ثورة التيجراي بمساندة إريتريا ، تفرغ أبي أحمد للمطالبة كما يزعم بالحقوق الأثيوبية في منفذ عصب البحري الذي يقع ضمن أراضي إريتريا ، ليكون لبلاده تواجد علي البحر الأحمر لتأمين الحركة التجارية .
وهو الأمر الذي لا أستبعد وجود مؤامرة للأصابع الإسرائيلية القذرة في منطقة القرن الإفريقي ، خاصة بعد إنفصال اقليم أرض الصومال الذي يقع علي ساحل البحر الأحمر ووجود تحالف بينه و بين إسرائيل ، التي كانت أول من أعترف باستقلال إقليم أرض الصومال عن الصومال لتضمن تواجدها في منطقة القرن الإفريقي المطلة علي البحر الأحمر .
أبي أحمد يري أن وجود منفذ بحري أثيوبي علي البحر الأحمر يقوي نفوذ بلاده في منطقة القرن الإفريقي علي البحر الأحمر ويؤدي لإعتماد القوي الدولية عليها وتعزيز الوجود الجيوسياسي و ايضا الجيواستراتيجي في المنطقة . بالإضافة لتنفيذ الأجندة الإسرائيلية
بخلاف إعتقاده أنه يعمل علي تصحيح الخطأ الذي تم من قبل حين إنفصلت إريتريا عن اثيوبيا ونالت الإستقلال ، وكان من حقها منفذ عصب البحري مما جعل أثيوبيا دولة بلا ملامح بحرية ، وتعتمد في حركتها التجارية البحرية علي جيبوتي ، وتستند أثيوبيا لدعم إسرائيل في الوقت الحالي الذي يشهد توتر في العلاقات الإسرائيلية الإريترية .
علي السطح السياسي يبدو وجود توترات في العلاقة بين إسرائيل و إريتريا بسبب ملف اللاجئين الإريتريين في تل أبيب الذي تنوي إسرائيل ترحيلهم مرة أخري عقب قيامهم بإثارة تظاهرات للمطالبة ببعض الحقوق التي تتعلق بالرعاية والعمل و الدخل ، والذي ترفض إسرائيل مساواتهم ببقية الجنسيات الأخري .
مخاوف ليست بالهينه ، فالخشية من نشوب حرب في منطقة القرن الإفريقي بين أثيوبيا التي تسعي لتهديد إريتريا بالحصول علي منفذ عصب البحري بالقوة ، وبررت ذلك بأحقيتها في إمتلاكه ، بالإضافة للإدعاء بأن إريتريا تساند حركة المعارضة في إقليم التيجراى بتواجد عسكري أيضا .
وهو الإتهام الذي رفضه اسياس أفورقي رئيس إريتريا مؤكدا أن الإتهامات الأثيوبية ماهي إلا حالة زعم غير حقيقية ، و أن ٱي تحرك أثيوبي تجاه حدود بلاده سيتم مواجهتها عسكريا بقوة للدفاع عن السيادة علي أراضيه
الصراع بين اثيوبيا وإريتريا يجب أن يتدخل فيه الإتحاد الأفريقي لمنع نشوب حرب جديدة في المنطقة ستكون عواقبها وخيمه و لن ينتصر ٱي من الطرفين ، غير أن الفائز الوحيد ستكون إسرائيل التي تغذي الصراعات في المنطقة خاصة المطلة علي البحر الأحمر لمزيد من التواجد خاصة بعد تدعيم علاقاتها مع أرض الصومال المطلة علي البحر الأحمر .
فالصراع بين إثيوبيا وإريتريا ليس مجرد خلاف حدودي قديم. بل هو صراع على مستقبل التجارة والطاقة في البحر الأحمر . ومع وجود إسرائيل كلاعب فاعل، ومع تعقيدات الأمن في باب المندب ، يبرز الخلاف الذي تغذيه إسرائيل ليبدو كأنه خرج عن سيطرة البلدين .
ومع وجود تحالفات معلنة وتحركات غير معلنة بين جبهتين تتمثل الأولي في الإمارات وإسرائيل لدعم إثيوبيا في التواجد علي البحر الأحمر بينما الجبهة الثانية تضم مصر والسعودية لدعم إريتريا في أهمية الحفاظ علي ميناء عصب الإريتري من سيطرة الجبهة الاولي عليه كي لا تكون لإسرائيل سيطرة أكبر علي منطقة القرن الإفريقي أو النفاذ لباب المندب وتهديد الحوثيين و إيران .
فما يحدث خلال الشهور القادمة سوف يحدد خارطة طريق دول القرن الأفريقي . إما تهدئة وتقاسم مصالح ، أو تصعيد يجر المنطقة كلها لحرب إفريقية تغذيها إسرائيل وتتسبب في غلق باب المندب وهو الكارثة الكبري علي دول المنطقة . و علي حركة الملاحة في قناة السويس .