حين تجرع الفتى الأمريكي "فرانك أبغنيل" مرارة تفكك أسرته إثر انفصال والديه في ستينيات القرن الماضي، لم يستوعب عقله الغض كيف يواجه أباه المكسور وهو يرى أركان بيته تتناثر وسط هذا التشوش العاطفي المبكر. وما كان جمع ملايين الدولارات هماً يشغل المراهق الصغير في مستهل طريقه، بل لجأ إلى تعويض سلوكي قسري لترميم فجوة الانهيار الأسري عبر صدمة النجاح المبهر.
ارتدى زي طيار حصل عليه بالحيلة، لا ليكون قبطاناً في قمرة القيادة كما روجت هوليوود لقصته في الفيلم ذائع الصيت (Catch Me If You Can) أو "أمسكني لو استطعت"، بل ليختبر الحدود الرخوة للإجراءات الأمنية في ذلك الزمن، حاصداً بعض التسهيلات في السفر كراكب مميز بفضل مظهره الأنيق وثقته المفتعلة وذكائه الحاد الموروث عن والده. لقد أدرك مبكراً أن العالم يكتفي بالقشرة الخادعة، فانتقل من هذا الاستغلال البسيط إلى محترف حقيقي في التزوير المالي المعقد، حيث مرّر شيكات مزورة على المصارف ليحصد أموالاً طائلة قبل أن تسقط عنه أستار الوهم وهو في التاسعة عشرة من عمره.
وعلى الضفة الأخرى من الزمن والجغرافيا، لم تكن حكاية مصطفى بيه؛ القاضي المصري المزيف الذي تحقق له ما أراد ليصبح أيقونة سلبية بعد أن تصدرت تفاصيل سقوطه عناوين الصحف الكبرى وشاشات التلفاز، سوى صدى للجين النفسي ذاته الذي حرك الفتى الأمريكي أبغنيل. فلم يكن انتحال الشاب المصري لصفة القاضي مجرد جريمة لانتزاع المال، بل كان رغبة محمومة في الترميم السلوكي، بممارسة آلية الإسقاط النفسي في أبهى صورها المرضية؛ باحثاً عن هيبة مصطنعة تضمن له الحضور المبهر بأدوات من وحي خياله، كمحاولة يائسة لتعويض شعور عميق بالدونية عبر ارتداء قناع السلطة، ظناً منه أن تضخيم القشرة الخارجية كفيل بإخفاء فراغ الباطن، حتى انهار أركان مسرحه العبثي تحت وطأة الحقيقة التي لا ترحم. فحين يتجلى الغياب الأسري كقاسم مشترك بين الحالتين؛ سواء في انفصال أَبَوَيْ "أبغنيل" أو فراغ السند في حياة الشاب المصري "مصطفى" نتيجة وفاة الأم وغياب الأب، ندرك أن الأسرة ليست مجرد رابطة اجتماعية، بل هي حائط الصد الأول ضد اعتلالات النفس.
ولعلك تتفق معي عزيزي القارئ أن أدوات جذب الانتباه عند أطفال ومراهقي العصر المشوشين لم تعد تتوقف عند ارتداء زي طيار مزيف أو اعتلاء منصة قضاء وهمية، وإنما هناك منابر تكنولوجية واتصالية مستحدثة أصبحت في قبضة أيديهم ضمن نطاق الشبكة العنكبوتية المتاحة للجميع. لذا يجب أن نستغلها منذ ظهورها في حياتهم واعتبارها مرآتنا في قراءة توجهاتهم؛ إذ تصبح الشاشات الرقمية وتطبيقات التواصل وسائط كاشفة للسريرة، ومرصداً حيوياً يتطلب من الأبوين يقظة مستمرة لاستقراء تلك التوجهات الخفية في مهدها. فالمحتوى الذي يصنعه المراهق أو يستهلكه بنهم ليس مجرد لهو عابر، بل هو ترجمة حية لمدى تشربه للقيم، وانقساماً جذرياً بين مسارين متضادين: إما أن يتحول إلى طاقة إيجابية واعية تُسكب في قالب فيديوهات توعوية أو أفكار بناءة تثري المجتمع وتصنع فارقاً، وإما أن ينزلق نحو محتوى مارق ومبتذل يخدش الحياء العام ويكدر صفو الاستقرار المجتمعي.
إن ترك الحبل على الغارب للأبناء لينهلو بلا هوادة من معين نجوم "التريند" المشوهين خلقياً، دون مظلة أسرية واعية ترشد وتنقح وتناقش، يعني بوضوح ترك فلذات الأكباد لقمة سائغة لكل وافد فكري هابط، وغفلة تربوية قد تتدحرج فيها كرة الثلج حتى تصطدم بصخرة الواقع عبر فضيحة أو سقوط مدوٍ يكشف عوار التنشئة المتأخرة.