في المقال السابق تحدثنا عن التحولات التي يشهدها النظام الدولي، وعن الأزمات المتشابكة في غزة وأوكرانيا وهرمز وشرق آسيا، وكيف لم تعد هذه الأزمات مجرد ملفات منفصلة، وإنما أصبحت تعكس صراعًا أوسع على شكل النظام العالمي الذي يتشكل أمام أعيننا. وتوقفنا عند حقيقة أساسية، وهي أن الصراع لم يعد يدور فقط حول الأرض أو الحدود أو النفوذ، وإنما أصبح مرتبطًا أيضًا بقدرة كل قوة على فرض رؤيتها، وبقدرة الأطراف المختلفة على الوصول إلى تسويات تمنع انتقال الأزمات من مرحلة الضغط السياسي إلى مرحلة الانفجار العسكري.
ومن هنا تبدأ المرحلة الأكثر تعقيدًا؛ لأن إنهاء الحروب لا يتوقف فقط على إرادة القوى الكبرى، وإنما يرتبط كذلك بحسابات الداخل لدى كل طرف. فالقادة اليوم لا يتفاوضون فقط مع خصومهم، وإنما يتفاوضون أيضًا مع شعوبهم وأحزابهم وانتخاباتهم ومراكز القوى داخل دولهم. وهذا ما يجعل أي اتفاق، مهما بدا منطقيًا على الورق، معرضًا لاختبارات سياسية قد تكون أصعب من المفاوضات نفسها.
وهذه ليست خصوصية إسرائيلية. إنها سمة عامة في السياسة الدولية الحديثة. فالقادة اليوم لا يتفاوضون فقط مع الخصوم، وإنما يتفاوضون أيضًا مع جمهورهم. الرئيس الأمريكي يعرف أن أي اتفاق مع إيران أو روسيا أو أي طرف آخر سيخضع لاختبار سياسي داخلي. والرئيس الروسي يعرف أن أي تسوية في أوكرانيا ستُقرأ في الداخل الروسي بوصفها انتصارًا أو تنازلًا. والقيادة الأوكرانية تعرف أن أي تنازل إقليمي يحتاج إلى تفسير أمام مجتمع دفع ثمنًا هائلًا في الحرب. والحكومة الإسرائيلية تعرف أن أي تنازل في غزة سيُقاس بمعايير الأمن والانتخابات. ولذلك أصبحت الدبلوماسية أكثر صعوبة، ليس لأن الخصوم لا يريدون التفاوض، وإنما لأن هامش الحركة أمامهم أصبح أضيق.
ومن غزة إلى أوكرانيا يتغير المكان، لكن لا يتغير جوهر المشكلة. فالحرب الروسية الأوكرانية لم تعد مجرد حرب على أرض أو حدود؛ لقد أصبحت صراعًا على شكل الأمن الأوروبي وعلى مستقبل العلاقة بين روسيا والغرب وعلى موقع الولايات المتحدة في أوروبا. روسيا لا تريد أن تنتهي الحرب باتفاق يعيدها ببساطة إلى نقطة ما قبل الحرب، لأنها تريد أن تخرج منها وهي قادرة على إثبات أن استخدام القوة حقق لها مكاسب استراتيجية. وأوكرانيا لا تريد سلامًا مؤقتًا يسمح لروسيا بإعادة بناء قدراتها ثم العودة إلى الحرب بعد سنوات، ولذلك تطالب بضمانات أمنية حقيقية. وأوروبا، التي تحملت تكاليف اقتصادية وأمنية هائلة نتيجة الحرب، لا تريد أن تستيقظ ذات يوم لتجد أن مستقبل أمنها قد جرى تحديده في اتفاق بين واشنطن وموسكو من دون أن يكون لها دور كامل في صياغته. أما الولايات المتحدة فتريد في الوقت نفسه إنهاء الحرب وتجنب تحولها إلى استنزاف مفتوح، لكنها لا تريد اتفاقًا يبدو أمام حلفائها وخصومها وكأنه تراجع أمريكي أمام موسكو.
ولهذا فإن أي تسوية في أوكرانيا لن تكون مجرد اتفاق لوقف إطلاق النار. ستكون اتفاقًا على قواعد الأمن الأوروبي، وربما على شكل العلاقات بين روسيا والغرب لسنوات طويلة. ومن هنا تأتي حساسية المفاوضات، لأن كل طرف يعرف أن ما سيكتب على الورق اليوم قد يتحول إلى واقع استراتيجي غدًا. ولذلك فإن السؤال ليس فقط متى تنتهي الحرب، وإنما بأي شروط تنتهي، ومن يضمن تنفيذ الاتفاق، وما إذا كان الاتفاق قادرًا على منع حرب جديدة أم أنه سيؤجلها فقط.
وفي هذه النقطة تحديدًا تظهر أوروبا باعتبارها أحد أكثر الأطراف قلقًا من إعادة تشكيل العالم. فالقارة التي اعتادت طوال عقود الاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية اكتشفت خلال السنوات الأخيرة أن الاعتماد على قوة خارجية يعني أن الأولويات يمكن أن تتغير في لحظة. واشنطن قد تنقل اهتمامها إلى الشرق الأوسط، وقد تعيد ترتيب حساباتها في آسيا، وقد ترى أن إنهاء حرب أوكرانيا يخدم مصالحها. أما أوروبا فلا تستطيع نقل جغرافيتها. روسيا ستظل على حدودها، وأمنها سيظل مرتبطًا بما يحدث شرق القارة، ولذلك فإن الحديث الأوروبي عن بناء قدرات دفاعية أكبر وعن استقلالية استراتيجية ليس مجرد شعار سياسي، وإنما محاولة للتعامل مع حقيقة جديدة: أوروبا تريد أن تكون شريكًا في صناعة أمنها، لا مجرد طرف ينتظر قرارات الآخرين.
وفي خلفية كل ذلك تقف الصين، التي قد تكون أكثر القوى الكبرى استفادة من إعادة توزيع الانتباه الأمريكي، لكنها في الوقت نفسه أكثرها حرصًا على ألا يتحول العالم إلى فوضى اقتصادية. الصين تحتاج إلى الطاقة، وتحتاج إلى التجارة، وتحتاج إلى أسواق مستقرة، لكنها تريد في الوقت نفسه أن تنهي مرحلة الهيمنة الأمريكية المنفردة وأن تنتقل العلاقات الدولية إلى نظام متعدد المراكز. ولهذا فإن بكين تراقب هرمز وغزة وأوكرانيا وآسيا من زاوية واحدة: كيف تتغير قدرة الولايات المتحدة على إدارة العالم عندما تتوزع أزماتها بين أكثر من جبهة؟ وهل تستطيع واشنطن الحفاظ على تفوقها في وقت تتطلب فيه كل جبهة قدرًا كبيرًا من الموارد السياسية والعسكرية والاقتصادية؟
وهنا ربما يكون الخطأ الأكبر هو الاعتقاد أن صعود الصين يعني بالضرورة سقوط أمريكا. فالعالم لا يتحرك بهذه البساطة. الولايات المتحدة لا تزال القوة العسكرية الأكبر، ولديها شبكة تحالفات عالمية لا تملكها أي قوة أخرى، والاقتصاد الأمريكي ما زال يحتفظ بمكانة استثنائية. لكن المشكلة ليست في اختفاء القوة الأمريكية، وإنما في تغير البيئة التي تستخدم فيها هذه القوة. فالعالم أصبح أكثر تعددًا، وأصبح لدى الخصوم والحلفاء معًا أوراق أكثر، وأصبح من الصعب على واشنطن أن تفرض نتيجة نهائية في كل أزمة من دون دفع تكلفة كبيرة. وهذه هي النقطة التي تجعل المرحلة الراهنة مختلفة عن السنوات الأولى بعد الحرب الباردة، عندما كان الاعتقاد السائد أن الولايات المتحدة قادرة على قيادة العالم منفردة.
لقد انتهى ذلك العصر تدريجيًا، لكن البديل لم يكتمل بعد. ولذلك نحن لا نعيش نظامًا عالميًا جديدًا مستقرًا، وإنما نعيش مرحلة انتقالية خطرة بين نظام قديم يتراجع ونظام جديد لم تتحدد قواعده بعد. وفي مثل هذه المراحل الانتقالية تكثر الأزمات، لأن القوى الصاعدة تريد مساحة أكبر، والقوى القائمة تريد الحفاظ على مواقعها، والقوى المتوسطة تريد أن تستغل الفرصة لزيادة نفوذها، بينما تختبر كل دولة حدود قدرة خصومها.
وهذا ما يفسر أيضًا أهمية ما يحدث في شرق آسيا. فالتعامل الأمريكي مع كوريا الشمالية، بما في ذلك تقليص بعض التدريبات العسكرية مع كوريا الجنوبية والإبقاء على قنوات الاتصال مع كيم جونغ أون، لا يمكن قراءته فقط باعتباره قرارًا عسكريًا محدودًا، وإنما يجب النظر إليه في إطار محاولة واشنطن إدارة شبكة التوترات الآسيوية من دون فتح جبهة جديدة في وقت تتعامل فيه مع أزمات أخرى. لكن أي خطوة من هذا النوع تحمل مخاطرة؛ لأن ما تراه واشنطن تخفيفًا للتوتر قد تراه بيونغ يانغ فرصة، وما تعتبره الولايات المتحدة إشارة إلى استعدادها للتفاوض قد يُفهم لدى حلفائها في المنطقة باعتباره تراجعًا في مستوى الردع. وهكذا تعود المشكلة نفسها: كيف تستخدم القوة بما يكفي لردع الحرب، من دون أن تستخدمها إلى الحد الذي يجعل الحرب أقرب؟
وهذه في الحقيقة هي المعضلة الكبرى التي تواجه العالم كله. لم يعد السؤال متعلقًا فقط بمن يملك القوة، وإنما بكيفية استخدام القوة. فالولايات المتحدة تستطيع أن تضغط على إيران، لكنها لا تستطيع تجاهل تأثير هرمز في الاقتصاد العالمي. وتستطيع دعم إسرائيل، لكنها لا تستطيع تجاهل أن استمرار الحرب في غزة يضعها أمام أزمة سياسية وإنسانية ودبلوماسية متزايدة. وتستطيع دعم أوكرانيا، لكنها لا تستطيع أن تتجاهل أن الحرب تحولت إلى ملف طويل الأمد يحتاج إلى حل سياسي. وتستطيع الحفاظ على الردع في آسيا، لكنها تعرف أن المواجهة المباشرة مع الصين أو كوريا الشمالية ستكون لها تكلفة مختلفة تمامًا عن أي أزمة أخرى. لذلك فإن القوة الأمريكية اليوم ليست موضع شك، وإنما قدرة واشنطن على إدارة هذه القوة هي موضع الاختبار.
ومن هنا فإن العالم لا يحتاج الآن إلى قوة أعظم، بقدر ما يحتاج إلى قواعد جديدة لاستخدام القوة. وهذا لا يعني أن تتحول السياسة الدولية إلى عالم مثالي تختفي فيه الصراعات. لن يحدث ذلك. الدول ستظل تبحث عن مصالحها، والجيوش ستظل موجودة، والتحالفات ستظل تتغير. لكن المطلوب هو أن توجد خطوط اتصال تمنع الصراعات من التحول إلى حروب شاملة، وأن توجد آليات تفاوض تمنح الخصوم مخرجًا سياسيًا عندما يصلون إلى حافة التصعيد، وأن تكون هناك ضمانات تجعل الاتفاقات قابلة للاستمرار.