في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم على المستويات الاجتماعية والثقافية والرقمية، أصبحت الأسرة المسلمة، خاصة في المجتمعات الغربية، تواجه تحديات غير مسبوقة تتعلق بالهوية، وتغير منظومات القيم، وتأثير البيئة الرقمية في أنماط التفكير والسلوك.
وأبرزت تلك التحديات الحاجة اليوم إلى تطوير أطر إفتائية معاصرة تجمع بين عمق التأصيل الشرعي وفهم الواقع الإنساني والاجتماعي، بحيث تراعي خصوصية الأسر المسلمة في البيئات متعددة الثقافات، وتستوعب تحديات الأجيال الجديدة، وتأثير التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، والتحولات المتسارعة في أنماط العلاقات والقيم.
وفي حوار خاص مع وكالة أنباء الشرق الأوسط، قال فضيلة الدكتور نظير عياد مفتي الديار المصرية، إن البيئة الرقمية لم تعد مجرد وسيلة لنقل المعرفة أو التواصل، وإنما أصبحت فضاءً مؤثرًا في تشكيل الوعي والاتجاهات وأنماط التفكير والسلوك. لذلك، فالخطاب الإفتائي مطالب بأن يتفاعل مع هذه التحولات بوعي ومسؤولية، وأن ينتقل من مجرد الإجابة عن الأسئلة إلى الإسهام في بناء الوعي القيمي الرشيد، ومواجهة ما يمكن تسميته بـ«السيولة القيمية» لا تكون بالرفض المجرد للتغيرات، وإنما ببناء منظومة قيم متماسكة تمنح الإنسان القدرة على التمييز والاختيار.
وأوضح أن ذلك يفرض أهمية الدور المؤسسي للفتوى؛ إذ ينبغي أن تتكامل جهود المؤسسات الدينية والتعليمية والإعلامية في بناء خطاب قيمي قادر على الوصول إلى الشباب داخل المنصات التي يتفاعلون فيها، مع الاستفادة الواعية من أدوات التقنية والخوارزميات، دون أن تتحول الوسيلة إلى غاية.
وأشار إلى أن منظومة القيم لا يمكن اختزالها في مجموعة من الأخلاق المتفرقة أو السلوكيات الفردية، وإنما هي الركيزة الأساسية التي يُبنى عليها الإنسان ويُشيَّد بها العمران؛ لذلك حرص القرآن الكريم، في مرحلة بناء الإنسان، على تقديم التزكية والأخلاق باعتبارهما أساسًا للعلم النافع والمعرفة الرشيدة.
وأوضح فضيلة المفتي أن هناك حاجة لإعداد أجيال جديدة من المفتين القادرين على التعامل مع القضايا الأسرية المستجدة ما يتطلب أن نعيد النظر في مفهوم التأهيل الإفتائي نفسه؛ فالمفتي في عصرنا لم يعد يكفيه التخصص في العلوم الشرعية فحسب، وإنما أصبح بحاجة إلى فهم عميق للواقع، وإدراك للتحولات الاجتماعية والثقافية والنفسية، فضلًا عن امتلاك أدوات التعامل مع البيئة الرقمية التي أصبحت جزءًا أساسيًّا من حياة الناس.
ولفت إلى أنه من هنا، فإن تأهيل المفتي ينبغي أن يقوم على ثلاثة أبعاد متكاملة: التأصيل الشرعي الرصين، والفهم الدقيق للواقع، والتدريب على مهارات الإفتاء والتواصل المعاصر. وهذا هو الاتجاه الذي نحرص على ترسيخه في دار الإفتاء المصرية؛ إذ تمتلك الدار منظومة متكاملة لإعداد وتأهيل المفتين، تجمع بين الدراسة العلمية والتدريب العملي. ومن النماذج المهمة في هذا السياق برنامج «إعداد المفتين عن بُعد»، الذي واصل خلال عام 2025 تقديم برنامج تدريبي امتد إلى 28 أسبوعًا، تحت إشراف نخبة من علماء دار الإفتاء والأزهر الشريف.
وقال إن توجُّه الدار لا يقف عند العلوم الشرعية التقليدية، وإنما يمتد إلى تأهيل المفتي للتعامل مع تحديات العصر الرقمي؛ فقد تناول المؤتمر الدولي العاشر للإفتاء، الذي عُقد تحت عنوان: «صناعة المفتي الرشيد في عصر الذكاء الاصطناعي»، قضايا التمكين الرقمي للمؤسسات الإفتائية، وبناء قدرات المفتين لمواكبة العصر الرقمي، ووضع أُطر للتعامل المنضبط مع الذكاء الاصطناعي في مجال الفتوى.
وأضاف عياد أن تطوير خطاب إفتائي معاصر لا يعني التخلي عن الثوابت أو إعادة صياغة الأحكام بما يتوافق مع كل متغير، كما أنه لا يعني الانغلاق أمام التحولات التي يشهدها المجتمع، وإنما المطلوب هو تحقيق التوازن بين ثبات المرجعية الشرعية ومرونة التعامل مع الواقع؛ بحيث يظل الخطاب محافظًا على منظومة القيم، وقادرًا في الوقت نفسه على فهم المستجدات الاجتماعية والثقافية والرقمية والتفاعل معها بصورة رشيدة.
ورأى أن هذا يتطلب من المؤسسات الإفتائية أن تطور أدواتها ومناهجها، خاصة في القضايا التي تمس الأسرة، والتي فرضت عليها تحديات تتعلق بالخصوصية، وتربية الأبناء، والعلاقات الزوجية والأسرية؛ وهي قضايا تحتاج إلى خطاب يفهم طبيعتها قبل أن يقدم الحكم الشرعي.
وأكد على أن الفتوى المعاصرة ينبغي أن تخاطب الإنسان بلغة يفهمها، لتصل إلى مختلف الفئات، خاصة الشباب. فالمعادلة التي ينبغي أن تحكم الخطاب الإفتائي المعاصر هي: ثبات في الأصول، ومرونة في الوسائل، ووعي عميق بالواقع، واستشراف للمستقبل.
وأوضح في النهاية أن الأسرة تحديدًا تحتاج إلى خطاب إفتائي يعزز قدرتها على التكيف مع المتغيرات دون أن تفقد هُويتها؛ خطاب يقدم القيم باعتبارها مصدرًا للحماية والاستقرار، لا باعتبارها عائقًا أمام التطور؛ خطاب يكون معاصرًا دون أن يكون منسلخًا عن أصوله؛ ومرنًا دون أن يكون مفرطًا؛ ومنفتحًا دون أن يكون منجرفًا؛ وذلك لمواجهة التحولات المتسارعة، والحفاظ على منظومة القيم التي تشكل أساس استقرار الأسرة والمجتمع.
وقال بالنسبة للجانب الأُسري، من المهم أن يتلقى المفتي تدريبًا على قراءة الواقع الأُسري المعاصر، وهو ما يظهر كذلك في اهتمام دار الإفتاء بالقضايا الأسرية من خلال برامجها المتخصصة، ومنها برامج التأهيل للمقبلين على الزواج، التي تجمع بين الأحكام الشرعية والإرشاد النفسي والاجتماعي، والتدريب على التعامل مع المشكلات والضغوط الزوجية.
وأضاف أنه في النهاية فالهدف هو أن نُخرج مفتيًا يمتلك فقه النص، وفقه الواقع، وفقه المآلات، ويستطيع أن يوازن بين ثوابت الشريعة ومتغيرات الحياة، وأن يستخدم التكنولوجيا باعتبارها أداة مساعدة، لا بديلًا عن العقل الفقهي والخبرة الإنسانية، وأن يقدم معالجة تحقق مقاصد الشريعة، وتحفظ الأسرة والإنسان والمجتمع.
وأكد فضيلة المفتي أن الفتوى فيما يتعلق بالقضايا الأسرية المعاصرة لا ينبغي أن تتوقف عند بيان الحكم الشرعي بصورة مجردة، وإنما يجب أن تنطلق من فهم حقيقي للواقع الذي تعيشه الأسرة، بما يتضمنه من أبعاد نفسية واجتماعية وسلوكية؛ فالأُسرة بطبيعتها منظومة إنسانية متكاملة، وأي معالجة لقضاياها تحتاج إلى النظر في ظروف الأطراف ودوافعهم وطبيعة المشكلة وآثارها المتوقعة.
وأوضح أن إدماج الأبعاد النفسية والسلوكية في الفتوى من الأمور المهمة، وعلى مستوى الفتوى الشاملة، لا بد من الاستعانة بأهل الاختصاص عندما تتطلب الحالة ذلك. ولا شك أن التكامل بين العلوم الشرعية والعلوم الإنسانية من شأنه أن يجعل الفتوى أكثر قدرة على تحقيق مقاصدها في الإصلاح، وحفظ الأسرة، وصيانة حقوق أفرادها.
وأشار إلى حجم التحديات الرقمية التي تفرض أبعادًا جديدة على القضايا الأسرية؛ حيث إن الاستخدام المفرط للمنصات الرقمية، وما يصاحبه من تغير في أنماط التواصل، أو المقارنة المستمرة بالآخرين، أو انتهاك الخصوصية، أو التأثر بالمحتوى غير المنضبط، كلها عوامل تؤثر بصورة مباشرة أو غير مباشرة في استقرار العلاقات الأسرية.
ولفت إلى الحاجة لفتوى تستوعب كل هذه التحولات، وتتعامل معها بوعي، دون أن تتخلى عن الثوابت الشرعية، والأهم أن تكون المعالجة قائمة على فهم الواقع، والتدرج في الحل، والنظر في المآلات، والتمييز بين الحالات المختلفة.
وأوضح أنه في دار الإفتاء لا ننظر إلى الفتوى الأسرية كإجابة عن سؤال، وإنما بوصفها مسؤولية تتصل بحياة الإنسان واستقرار الأسرة والمجتمع؛ لذلك نحرص على أن تكون الفتوى أقرب إلى الإصلاح منها إلى مجرد إصدار الأحكام، وأن تسهم في بناء وعي أسري قادر على التعامل مع تحديات العصر، بما يحفظ القيم، ويصون الحقوق، ويعزز السكينة والاستقرار داخل الأسرة.
وقال عياد إن الفتوى في قضايا الأسرة لا ينبغي أن تظل أسيرة التعامل مع المشكلات بعد وقوعها، وإنما يجب أن يكون لها دور استباقي في قراءة التحولات التي يمكن أن تؤثر في الأسرة مستقبلًا. ومن هنا، فإن استشراف مستقبل الأسرة يحتاج إلى أن تنتقل المؤسسات الإفتائية من فقه الاستجابة إلى فقه الاستباق؛ أي دراسة التحولات الاجتماعية والتقنية قبل انتشار آثارها، ورصد القضايا التي يمكن أن تنشأ عنها، ثم تقديم أُطر شرعية وأخلاقية تساعد الأسرة على التعامل معها بصورة واعية ومتوازنة. فمثلًا، الذكاء الاصطناعي التوليدي وغيره يمكن أن يكون أداة نافعة في التعليم والتواصل وتيسير كثير من شؤون الحياة، لكنه في الوقت نفسه يطرح تحديات تتعلق بالخصوصية، والاعتماد المفرط على الآلة، وتزييف المحتوى، وغير ذلك. وعليه، فإن دور الفتوى لا ينبغي أن يقتصر على إصدار أحكام منفصلة لكل استخدام جديد، وإنما يتعين أن تقدم رؤية متكاملة تضبط العلاقة بين الإنسان والتكنولوجيا وفق مقاصد الشريعة وقيمها.
ورأى أن المعالجة الاستباقية يجب أن تبدأ من بناء مناعة قيمية ومعرفية داخل الأسرة، بحيث يكون أفرادها، وخاصة الأبناء، قادرين على التمييز بين الاستخدام النافع للتكنولوجيا والاستخدام الذي قد يضر بعلاقاتهم أو خصوصيتهم أو استقرارهم النفسي والاجتماعي. فليس المطلوب عزل الأسرة عن التطور التقني، وإنما تمكينها من التعامل معه بوعي ومسؤولية.
وأكد أن الأسرة المعاصرة تواجه جملة من التحديات المتشابكة، ولم تعد هذه التحديات مقتصرة على الجانب الاجتماعي أو الاقتصادي، وإنما امتدت لتشمل التحولات الثقافية والرقمية المتسارعة. فمن الناحية الاجتماعية، هناك تغير في أنماط العلاقات والتواصل داخل الأسرة، وضعف، في بعض الأحيان، في الحوار بين أفرادها، إلى جانب الضغوط التي تفرضها أنماط الحياة الحديثة. وعلى المستوى الثقافي، تواجه الأسرة تعددًا كبيرًا في المرجعيات والمصادر التي تشكل وعي الأبناء، لا سيما في ظل الانفتاح الرقمي وسهولة الوصول إلى محتويات وأفكار متنوعة.
وأوضح أنه في مواجهة هذه التحديات، فإن الفتوى الرشيدة مطالبة بأن تتجاوز التعامل مع المشكلات الأسرية بعد وقوعها، إلى الإسهام في تحقيق السكن والمودة والرحمة، من خلال فهم الواقع، وتحليل أسبابه، والنظر في مآلات الأحكام والفتاوى. ونحن نؤكد دومًا أن الأسرة القوية هي التي تمتلك مرجعية قيمية واضحة، وفي الوقت نفسه تستطيع التفاعل الإيجابي مع مستجدات العصر.
وقال إن هناك دور للمؤسسات الإفتائية في تقديم خطاب ديني معاصر يحافظ على ثوابت الشريعة، ويستوعب تغيرات الواقع، ويقدم للأسر أدوات معرفية وقيمية تساعدها على اتخاذ قرارات أكثر وعيًا ومسؤولية. والغاية النهائية هي أن تكون الفتوى شريكًا في بناء الاستقرار الأسري، وأن تسهم في بناء أسرة قادرة على مواجهة الضغوط والتحديات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والرقمية.
وفيما يتعلق بالخطاب الإفتائي الموجَّه إلى الأسرة المسلمة في المجتمعات الغربية فقال مفتي الجمهورية إنه يمثل تحديًا مصيريًّا يتجاوز حدود الترف الفكري؛ فالأسرة هناك تعيش في سياقات اجتماعية وقانونية وثقافية مختلفة كليًّا عن البيئات التي نشأت فيها بعض الاجتهادات التى ناسبت وقتها وزمانها. ولذلك، فالمطلوب ليس المساس بالثوابت الشرعية، وإنما تطوير آليات تنزيلها على الواقع.
وشدد على أن الفتوى، ليست مجرد إجابة نظرية جافة، وإنما هي بيان للحُكم الشرعي في واقعة محددة؛ ومن ثم فإن الإحاطة بالظروف المحيطة وتحديات الواقع جزء لا يتجزأ من صناعة الفتوى الصحيحة. ولا شك أن المسلم في الغرب يحمل هُوية دينية وثقافية ووطنية، وهنا يأتي دَور الفتوى في بناء شخصية متوازنة تعتز بهويتها الدينية والثقافية والأخلاقية، وفي الوقت ذاته تحترم قوانين المجتمع وتعدديته. فالخصوصية الدينية ليست عزلة أو رفضًا للآخر، وإنما هي قدرة على الثبات المرجعي مع الانفتاح الإيجابي، وتربية الأبناء على المواطنة الصالحة، والحوار، وقبول التنوع.