أطلقت وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني مؤخراً استراتيجيتها الجديدة للتقييم المدرسي، والتي تبدأ في تطبيقها مع انطلاق العام الدراسي القادم، متضمنةً إقرار نظام الاختبارات الشهرية والدورية لجميع صفوف المرحلة الابتدائية، وتوسيع نطاقها لتشمل الصفين الأول والثاني الابتدائي لأول مرة. وتعتمد هذه المنظومة على توزيع درجات كل مادة أساسية ليصبح المجموع الكلي من 100 درجة، مقسمة بين 60 درجة لامتحان نهاية الفصل الدراسي، و15 درجة للاختبار الشهري، و10 درجات للتقييم الأسبوعي، و5 درجات للواجب المنزلي، و5 درجات لكراسة الحصة، و5 درجات للمواظبة والسلوك. كما تشمل الاستراتيجية اشتراط حضور لا يقل عن 70% كشرط أساسي لأداء الامتحانات، وإقرار برامج دعم تعليمي علاجية إجبارية خلال العطلة الصيفية لمن لم يحققوا نسبة الحضور أو أخفقوا في اجتياز قياسات القراءة والكتابة والحساب.
وتستند الوزارة في إقرار هذه المنظومة إلى واقع ميداني تفرضه تحديات هيكلية؛ أبرزها الكثافة العالية لأعداد الطلاب داخل الفصول والتي تقف حائلاً عملياً أمام تطبيق التقييم المباشر أو الملاحظة الفردية. يضاف إلى ذلك دافع ملح كشفت عنه مؤشرات المتابعة، وهو وجود نسب من التلاميذ في صفوف التأسيس تعاني من فجوات حقيقية في مهارات القراءة والكتابة والحساب. من هنا، جاء اللجوء إلى الآليات الرقمية والاختبارات الدورية كوسيلة لمحاولة رصد تلك الفجوات وإلزام الأطراف كافة بالمسؤولية التشغيلية للمدارس.
وفي المقابل، تتبنى الدول المتقدمة علمياً وتربوياً استراتيجيات مغايرة كلياً في الصفوف الدراسية الأولى، تقوم على حماية الصحة النفسية للطفل وتجنب إخضاعه للضغط العصبي المبكر. فعلى سبيل المثال، تمتنع دول رائدة مثل فنلندا عن إعلام الدارسين بأي اختبارات تحريرية رسمية في سن التأسيس، معتمدة على التقويم التكويني بالملاحظة اليومية وأنشطة اللعب الجماعي. كما تلغي منظومات أخرى مثل تجارب سنغافورة واليابان الامتحانات التحريرية للصفوف الأولى تماماً، وتستبدل بها تقارير دورية تطلع الأهل على نتائجها التقييمية لوصف تطور المهارات دون درجات رقمية، مما يبرز الفجوة الفلسفية بين الواقع المحلي وتلك النماذج العالمية.
وعطفاً على كل ما سبق، فإنني أقترح توسيع دائرة الاهتمام بدور الأخصائيين النفسيين المؤهلين بالمدارس، ومنحهم دورات تدريبية متقدمة على كيفية التحليل النفسي لأنماط التفاعل السلوكي والتربوي للصغار. حيث إن رصد حالات التلاميذ المشوشين اجتماعياً، والمقهورين، وضعاف التحصيل في الصفوف الأولى لا يمكن أن يتم سواء بالملاحظة أو بإجراء اختبارات تقييمية مبكرة وضاغطة نفسياً؛ حتى وإن نجحت الوزارة في تقليل الكثافة بالفصول كما تسعى بخطة استغلال المساحات بمدارسها المختلفة، بل إن الأمر يتطلب منظومة موضوعية متكاملة. ومن هنا تبرز الحاجة الماسة للاستعانة بوسائل رقمية وتقنية مثل كاميرات المراقبة داخل الفصول لتسجيل اليوم الدراسي ومراجعته بعناية، لتتمكن تلك الكوادر التعليمية المتخصصة من رفع تقاريرها الشهرية للإدارة والأهل بدقة وبراعة أكاديمية تضمن احتواء الأبناء وتقديم الدعم في التوقيت الأمثل.
ومما لا شك فيه، أن الفحص الدقيق سيكشف لنا حقيقة غائبة، وهي أن كثيراً ممن يفشلون في التحصيل لا يعانون من انخفاض معدلات ذكائهم في الغالب الأعم، بل سنجد بينهم من يقع ضحية للتنمر داخل أسوار المدرسة أو خارجها، والبعض الآخر لصدمات ناتجة عن صراع الأبوين المتكرر أو انفصالهما وغياب الدفء الأسري والمتابعة المنزلية. لذا، فإن وجود أخصائي نفسي كفء بالمدرسة أو إعادة هندسة الأدوار بين الأخصائيين النفسيين والاجتماعيين لم يعد ترفاً إدارياً، بل هو صمام أمان حقيقي لأبنائنا، ويمتد أثر تقاريرهم الميدانية الموثقة لتصبح مرجعية عليا للوزارة تساعدها على تثبيت أو تعديل قراراتها التنظيمية متى تبين لها وجود خلل أو عدم صلاحية تطبيقية على أرض الواقع.