تأتي زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر في توقيت يحمل الكثير من الدلالات السياسية والاقتصادية، فهي الزيارة الأولى له إلى القاهرة منذ نحو 10 سنوات، وتتزامن مع مرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، في وقت يشهد فيه الاقتصاد العالمي تحولات متسارعة، وإعادة رسم لخريطة التجارة والاستثمار وسلاسل الإمداد.
ولم تعد العلاقات المصرية الصينية مجرد شراكة سياسية أو دبلوماسية، بل أصبحت المصالح الاقتصادية لاعبًا رئيسيًا فيها، بعدما تحولت مصر إلى نقطة مهمة في حسابات الشركات الصينية الباحثة عن أسواق جديدة ومواقع إنتاج قريبة من أوروبا وإفريقيا والشرق الأوسط.
وفي هذا السياق، يؤكد الدكتور هاني الشامي، أستاذ الاقتصاد وعميد كلية التجارة وإدارة الأعمال بجامعة المستقبل، أن أهمية العلاقات المصرية الصينية لم تعد تقاس فقط بحجم التجارة بين البلدين، وإنما بما يمكن أن تحققه من تحول نوعي في طبيعة التعاون الاقتصادي، خاصة في مجالات الصناعة والاستثمار ونقل التكنولوجيا والتصدير.
مصر.. موقع استراتيجي يجذب الصين
يرى الدكتور هاني الشامي أن الموقع الجغرافي يمثل إحدى أهم نقاط القوة التي تجعل مصر شريكًا استراتيجيًا بالنسبة للصين، فالقاهرة تقع في قلب منطقة تربط بين ثلاث دوائر اقتصادية مهمة، هي آسيا وأفريقيا وأوروبا، فضلًا عن امتلاكها قناة السويس التي تمثل أحد أهم ممرات التجارة العالمية.
وأوضح أن أهمية قناة السويس بالنسبة للصين تتجاوز مسألة مرور السفن، إذ تمنح الشركات الصينية فرصة لبناء سلاسل إمداد أكثر كفاءة والوصول إلى أسواق متعددة، خاصة مع تنامي التحديات التي تواجه حركة التجارة العالمية نتيجة الأزمات الجيوسياسية وارتفاع تكاليف النقل والشحن.
وتزداد هذه الأهمية مع المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، التي يمكن أن تتحول إلى قاعدة صناعية ولوجستية للشركات الصينية، تسمح لها بالإنتاج داخل مصر ثم إعادة التصدير إلى أسواق عربية وأفريقية وأوروبية.
الاستثمارات الصينية.. من السوق إلى قاعدة إنتاج
وأشار الشامي إلى أن الصين لا تنظر إلى مصر باعتبارها سوقًا استهلاكية فقط، وإنما باعتبارها موقعًا يمكن أن تستفيد منه في إقامة مشروعات إنتاجية موجهة إلى التصدير.
وتضم مصر آلاف الشركات الصينية العاملة في قطاعات مختلفة، بينما تتركز نسبة مهمة من الاستثمارات في منطقة التعاون الاقتصادي والتجاري المصرية الصينية «تيدا» بالعين السخنة.
وتشمل مجالات التعاون الصناعي قطاعات متعددة، من بينها الصناعات التحويلية والطاقة ومكونات السيارات، إلى جانب مشروعات مطروحة في قطاعات الألومنيوم والمنسوجات والإطارات.
ويرى أستاذ الاقتصاد أن الأهمية الحقيقية لهذه الاستثمارات بالنسبة لمصر تتمثل في قدرتها على خلق قيمة مضافة محلية، وتوفير فرص عمل، ونقل التكنولوجيا والخبرات، وليس مجرد زيادة حجم الاستثمار الأجنبي على الورق.
التجارة تكشف فجوة تحتاج إلى معالجة
وتكشف أرقام التجارة عن حجم المصالح المشتركة، لكنها في الوقت نفسه تبرز أحد أبرز التحديات أمام القاهرة.
فخلال النصف الأول من عام 2026، بلغ حجم التجارة بين مصر والصين نحو 11.04 مليار دولار، في حين وصلت الواردات المصرية من الصين إلى نحو 10.44 مليار دولار، مقابل صادرات مصرية بلغت نحو 600 مليون دولار.
ويرى الدكتور هاني الشامي أن هذه الأرقام تعكس بوضوح حاجة مصر إلى إعادة صياغة جزء من العلاقة التجارية مع الصين، بحيث لا تظل قائمة بصورة أساسية على استيراد السلع ومستلزمات الإنتاج، وإنما تتجه بصورة أكبر نحو التصنيع المشترك والتصدير.
ماذا تريد مصر من الصين؟
بحسب الشامي، فإن القاهرة لديها مجموعة من الأولويات الاقتصادية في علاقتها مع بكين، يأتي في مقدمتها جذب المزيد من الاستثمارات الصينية، وتوطين الصناعات ذات التكنولوجيا المتقدمة، والاستفادة من الخبرات الصينية في البنية التحتية والنقل والطاقة.
كما تسعى مصر إلى زيادة صادراتها إلى السوق الصينية، والاستفادة من التكنولوجيا الصينية في مجالات الصناعة والاتصالات والطاقة المتجددة والذكاء الاصطناعي، إلى جانب الحصول على تمويلات ميسرة لبعض المشروعات الاستراتيجية.
ويضيف أن الميزة الأساسية التي يمكن أن تحصل عليها مصر من الاستثمارات الصينية تتمثل في تحويلها من مجرد استثمارات تستهدف السوق المحلية إلى مشروعات إنتاجية لديها قدرة حقيقية على التصدير.
وماذا تريد الصين من مصر؟
في المقابل، تمتلك بكين مصالح واضحة في السوق المصرية، فالصين تبحث عن أسواق جديدة وقواعد إنتاج خارج حدودها، ومصر تمنح الشركات الصينية فرصة للوصول إلى سوق محلية كبيرة، إلى جانب الاستفادة من موقعها للوصول إلى أسواق أفريقيا والمنطقة العربية وأوروبا.
ويرى الشامي أن قناة السويس والمنطقة الاقتصادية للقناة تمثلان عنصرين أساسيين في هذه المعادلة، خاصة مع اتجاه الشركات العالمية إلى تنويع سلاسل الإمداد وتقليل مخاطر الاعتماد على مركز إنتاج واحد.
كما أن استقرار مصر وامتلاكها شبكة واسعة من العلاقات الإقليمية والدولية يعززان من أهميتها بالنسبة لبكين، خصوصًا في ظل التطورات المتسارعة في الشرق الأوسط والبحر الأحمر.
«الحزام والطريق».. مساحة واسعة للتعاون
وتأتي مصر في موقع مهم ضمن مبادرة الحزام والطريق الصينية، مستفيدة من موقعها وقناة السويس والموانئ والمنطقة الاقتصادية للقناة.
ويعتقد الدكتور هاني الشامي أن نجاح مصر في الاستفادة من المبادرة لن يرتبط فقط بحجم التمويل أو عدد المشروعات، وإنما بقدرتها على تحويل موقعها الجغرافي إلى نشاط اقتصادي حقيقي، من خلال جذب الصناعات الصينية وتوطينها داخل مصر وربطها بالأسواق الخارجية.
ويعني ذلك الانتقال من نموذج «الممر التجاري» إلى نموذج أكثر تطورًا تتحول فيه مصر إلى مركز للإنتاج والخدمات اللوجستية وإعادة التصدير.
اليوان.. ورقة إضافية لتخفيف الضغط على الدولار
ومن الملفات التي يمكن أن تعزز التعاون المالي بين البلدين تسوية جزء من المعاملات التجارية بالعملات المحلية، خاصة مع استمرار مساعي مصر لتنويع أدواتها المالية وتقليل الضغوط على موارد النقد الأجنبي.
ويرى الشامي أن استخدام اليوان في جزء من التجارة الثنائية يمكن أن يمثل أداة مساعدة لتخفيف الطلب على الدولار، لكنه لا يعني بأي حال الاستغناء عن العملة الأمريكية التي ما زالت تحتفظ بمكانتها الرئيسية في التجارة والتمويل العالمي.
ويشير إلى أن زيادة الصادرات المصرية إلى الصين بالتوازي مع استخدام العملات المحلية ستكون أكثر أهمية، لأنها تخلق توازنًا أفضل في التدفقات التجارية والمالية بين البلدين.
زيارة تتجاوز الاقتصاد
ولا تقتصر أهمية زيارة الرئيس الصيني على الملفات التجارية والاستثمارية، فمصر تمثل أيضًا شريكًا سياسيًا مهمًا لبكين في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.
ويشير الشامي إلى أن اضطرابات البحر الأحمر وباب المندب، إلى جانب التطورات في غزة والسودان وليبيا والقرن الأفريقي، تجعل الموقع المصري أكثر أهمية بالنسبة للصين، التي تعتمد بدرجة كبيرة على التجارة البحرية وتدفقات الطاقة القادمة من منطقة الشرق الأوسط.
ومن هنا، فإن استقرار قناة السويس والبحر الأحمر يمثل مصلحة مشتركة بين القاهرة وبكين، ويمنح مصر وزنًا إضافيًا في الحسابات الاستراتيجية الصينية.
70 عامًا.. فهل تبدأ مرحلة جديدة؟
بعد سبعة عقود من العلاقات الدبلوماسية، تبدو الشراكة المصرية الصينية أمام فرصة للانتقال إلى مستوى جديد، خصوصًا أن البلدين يمتلكان مقومات متكاملة نسبيًا؛ فالصين لديها رأس المال والتكنولوجيا والخبرة الصناعية والقدرة على الوصول إلى الأسواق العالمية، بينما تمتلك مصر الموقع الاستراتيجي وقناة السويس والسوق المحلية والقدرة على الوصول إلى الأسواق العربية والأفريقية.
ويؤكد الدكتور هاني الشامي أن التحدي الحقيقي أمام القاهرة خلال المرحلة المقبلة هو كيفية تحويل هذه المزايا إلى شراكات إنتاجية تحقق عائدًا أكبر للاقتصاد المصري، من خلال زيادة المكون المحلي، ونقل التكنولوجيا، وتوفير فرص العمل، ورفع القدرة التصديرية.
وبذلك، فإن زيارة شي جين بينغ إلى مصر لا تبدو مجرد محطة احتفالية بمناسبة مرور 70 عامًا على العلاقات بين البلدين، وإنما فرصة لإعادة رسم ملامح الشراكة خلال السنوات المقبلة.
فمصر تحتاج إلى الصين للاستثمار والتكنولوجيا والتصنيع والأسواق، والصين تحتاج إلى مصر كموقع استراتيجي وقاعدة محتملة للإنتاج والتصدير إلى مناطق واسعة من العالم.