في زمنٍ تحولت فيه الجريمةُ من سلوكٍ يُتوارى منه خجلاً إلى «استعراض سياسي» يُبث عبر الشاشات وتتباهى به منصات الاحتلال، يقف العالم أمام لحظة كاشفة لا تُعرّي بطش الجاني فحسب، بل تسقط ورقة التوت الأخيرة عن منظومة دولية مدّعية، وواقعٍ عربي وإسلامي غارقٍ في الصمت والانكفاء.
إن المشاهد المسربة والمتعمدة، التي يظهر فيها مسؤولو الكيان وهم يتلذذون باستعراض مأساة الأسيرات والأسرى الفلسطينيين والمجاهرة بحرمانهم من أدنى الحقوق الآدمية وحتى من حقهن الطبيعى المكفول عرفيا ودوليا اعنى النظافة الشخصية وادواتها، ليست مجرد خروج عن القوانين الدولية أو الميثاق الإنساني؛ بل هي منهجية مقصودة تهدف إلى صياغة مشهدٍ من الهوان، وتصدير حالة من الردع النفسي والإذلال المنظم.
أبعاد المشهد المشوه وسياسة التعمية
فجور التوثيق والاستعلاء: إصرار قيادات الاحتلال على بث معاناة الضعفاء بالصوت والصورة يحول الانتهاك من تجاوز فردي إلى سياسة دولة رسمية تمارس «الفجور العلني»، معتمدة على أمن العقاب ورهان الصمت.
الازدواجية الغربية وسقوط الشعارات: تجلّت منظومة القيم الغربية في أبهى صور الانحياز والتعمية، حيث تتوارى مصطلحات «حقوق الإنسان» و«كرامة المرأة» عندما يكون الضحية فلسطينياً، ويصبح الصمت والتجاهل الدولي بمثابة ضوء أخضر لاستمرار الجريمة.
التشويش وحالة الانبطاح العربي: يعيش الشارع الإقليمي حالة من التشويش الممنهج والتخدير السياسي، حيث تُغطى الكوارث اليومية ببيانات شجب باهتة لا تسمن ولا تغني من جوع، ما شجع الاحتلال على تجاوز كل الخطوط الحمراء دون إقامة أي وزن لردود الفعل.
سقوط أسطورة الدفاع عن المرأة وازدواجية المعايير
إن هذا الصمت العالمي المطبق، وتجاهل المنظمات النسوية المعنية بحقوق المرأة لما تكابده الأسيرة الفلسطينية، ليس سقطة عابرة بل تعبير عن موت الضمير الإنساني الدولي. إن حرمان الحرائر من أدنى مقومات النظافة الشخصية والفوط الصحية وأدوات المستلزمات الأساسية، هو حرب نفسية وجسدية مكتملة الأركان تتجاوز كل الحدود الأخلاقية.
يتباهى مجرم الحرب بن غفير وزبانيته فى جيش العدوان الصهيونى المختل الذى يقطر عنصرية شاذة بالتعذيب وسلب أبسط الحقوق المكفولة في اتفاقية جنيف الرابعة، ليثبت للعالم أن شعارات "حقوق المرأة" ليست سوى أداة سياسية تُستدعى حين تشاء المنظومة الغربية وتُدفن حين يتعلق الأمر بالإنسان الفلسطيني.
مسؤولية الإعلام والواجب الصحفي في اختراق حجب التعمية
أمام هذا التغافل الممنهج، لم يعد الدور الإعلامي رفاهية صحفية أو نقل أنباء عارضاً، بل غدا جبهة مواجهة أخلاقية ومهنية لا تقبل الحياد السلبي. إن الصحافة الحرة مطالبة اليوم بالانتقال من خانة "التلقي والانفعال" إلى استراتيجية "التفكيك والملاحقة":
تفكيك الدعاية المضادة وإفشال التخدير: تحويل هذه المواد المرئية التي ينشرها الاحتلال للترهيب إلى أداة إدانة قاطعة عبر التوثيق القانوني والتحليل الصحفي العميق، وعدم تركها تمر كعابر خبر في نشرات الأنباء.
إعادة صياغة الأولويات الإعلامية: فرض قضية الأسرى والأسيرات كبند دائم على جدول الأعمال الصحفي، وتجاوز المقاربات الروتينية عبر تقديم القضايا بجهد استقصائي يبرز الجوانب الإنسانية والحقوقية والمجتمعية للتجاوزات.
اختراق الرأي العام الدولي: تخطي الخطاب الداخلي الموجه للأمة ونقل هذه الوقائع إلى المنصات والمؤسسات الدولية بلغات متعددة، لتعرية السردية الزائفة ومواجهة سياسة التعمية الغربية بالحقائق الموثقة التي لا تقبل التكذيب.
سنة الابتلاء وحتمية العدل الإلهي
مهما بلغت استطالة الظلم وشدة المعاناة داخل زنازين العزل وقهر السجان، فإن التاريخ الإنساني والاستدلال القرآني يعلماننا أن طغيان القوة لا يصنع حقاً، وأن هوان الأسباب الأرضية يُقابله يقين المسبب سبحانه.
يقول الله تعالى في محكم التنزيل "وَلاَ تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلاً عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الأَبْصَارُ "إبراهيم: 42.
ويقول جل شأنه تثبيتاً للقلوب وتذكيراً بسننه التي لا تتخلف"أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ"البقرة: 214 .
إن صمود الأسيرات والأسرى أمام هذا الصلف، وتحملهم للدرك الأسفل من القهر والانتهاك، هو الذي يُسقط غشاوة التعمية ويصنع الفارق الأخلاقي بين ضحية تتمسك بحقها وقضيتها، وجانٍ يغرق في طغيانه.
تبقى الحقيقة الناصعة أن هذا الليل المظلم مهما امتدت ساعاته، فإن مآله إلى زوال، ولله الأمر من قبل ومن بعد.
ياسر إبراهيم عبيدو يكتب: بين فجور التوثيق وزيف التعمية.. عندما يُعرّي الصمودُ العجزَ العالمي