قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

د. الشيماء المشد تكتب : حين يصبح الذكاء الاصطناعي بائعًا .. هل نثق في آلة تعرف ماذا نريد؟

د. الشيماء المشد - استاذ مشارك إدارة الأعمال- كليات الشرق العربي
د. الشيماء المشد - استاذ مشارك إدارة الأعمال- كليات الشرق العربي

لم يعد البائع الذي يحاول إقناعنا بالشراء يقف خلف طاولة في متجر، ولم يعد يسألنا عما نبحث عنه أو يشرح لنا مزايا هذا المنتج مقارنة بذاك. اليوم، قد يكون هذا البائع خوارزمية صامتة، لا نراها ولا نتحدث إليها، لكنها تعرف الكثير عنا؛ ماذا شاهدنا؟ ماذا بحثنا عنه؟ ما الذي توقفنا أمامه لثوانٍ؟ وما المنتجات التي اشتريناها أو ترددنا في شرائها؟

هكذا دخل الذكاء الاصطناعي إلى قلب العملية التسويقية، ليس فقط كأداة تساعد الشركات على تحليل البيانات، وإنما كطرف أصبح قادرًا على التأثير في واحد من أهم القرارات اليومية للمستهلك: ماذا أشتري؟


يكفي أن تبحث مرة عن هاتف جديد، أو حذاء رياضي، أو حتى وجهة لقضاء إجازتك، لتبدأ سلسلة من الاقتراحات التي تبدو وكأنها تعرف ما تفكر فيه. تظهر منتجات مشابهة، وعروض تتوافق مع اهتماماتك، وربما بدائل لم تكن تعرف بوجودها من الأساس. ومع تكرار التجربة، قد نشعر أن التكنولوجيا أصبحت تفهم احتياجاتنا بصورة مدهشة.

لكن هنا يبدأ السؤال الحقيقي: هل الذكاء الاصطناعي يساعدنا على اتخاذ القرار، أم أنه يصنع القرار نيابة عنا؟

في التسويق التقليدي، كان المستهلك يدرك غالبًا أنه يتعرض لمحاولة إقناع. الإعلان إعلان، والبائع بائع، والرسالة الترويجية يمكن التعرف عليها بسهولة. أما اليوم، فقد أصبحت الحدود أقل وضوحًا. عندما تقترح علينا منصة منتجًا وتخبرنا بأنه «موصى به لك»، فنحن لا نعرف دائمًا لماذا ظهر هذا المنتج تحديدًا، ولا ما المعايير التي جعلت الخوارزمية تفضله على عشرات البدائل الأخرى.

وهنا تظهر قضية ربما تكون أهم من دقة التوصية نفسها، وهي الشفافية.

فالمستهلك لا يحتاج فقط إلى توصية جيدة، وإنما يحتاج أيضًا إلى أن يفهم – ولو بدرجة معقولة – لماذا حصل عليها. هل ظهرت لأنها تتناسب فعلًا مع احتياجاته؟ أم لأنها مدفوعة؟ هل بُني الاقتراح على مشترياته السابقة؟ أم على عمليات البحث؟ أم على سلوك مستخدمين يشبهونه؟ وما حجم البيانات الشخصية التي كان على النظام معرفتها حتى يصل إلى هذا الاقتراح؟

هذه الأسئلة ليست تقنية بقدر ما هي أسئلة تتعلق بالثقة.

فالذكاء الاصطناعي قد يستطيع التنبؤ بما نفضله، لكن قدرته على التنبؤ لا تعني بالضرورة أننا سنثق فيه. وكلما شعر المستهلك بأن النظام يعرف عنه أكثر مما ينبغي، قد يتحول الإعجاب بالتخصيص إلى شعور بالمراقبة. وهنا تقف الشركات أمام معادلة شديدة الحساسية: كيف أعرف عميلي جيدًا دون أن أجعله يشعر بأنني أتجسس عليه؟

وهذه المفارقة هي واحدة من أكبر تحديات التسويق في عصر الذكاء الاصطناعي.

فنحن، كمستهلكين، نريد تجربة شخصية. لا نريد تصفح مئات المنتجات التي لا تهمنا، ونرحب غالبًا بأن تختصر التكنولوجيا الطريق وتقترح ما يناسبنا. لكننا، في الوقت نفسه، لا نريد أن نشعر بأن كل نقرة وكل بحث وكل ثانية نقضيها أمام منتج ما قد تحولت إلى ملف رقمي يُستخدم للتأثير في قراراتنا.

لذلك فإن المنافسة المستقبلية بين الشركات لن تكون فقط حول من يمتلك الخوارزمية الأكثر ذكاءً، بل حول من يستطيع بناء الخوارزمية الأكثر جدارة بالثقة.

وهذا يفرض تحولًا مهمًا في فلسفة التسويق. فبدلًا من استخدام الذكاء الاصطناعي باعتباره وسيلة للوصول إلى المستهلك بأكبر قدر ممكن من الدقة، ينبغي النظر إليه باعتباره جزءًا من العلاقة بين المستهلك والعلامة التجارية. والعلاقات طويلة الأجل لا تُبنى على المعرفة وحدها، وإنما على الوضوح والاحترام والثقة.

ربما تستطيع الخوارزمية اليوم أن تعرف الكتاب الذي قد يعجبنا، والفندق الذي يناسب ميزانيتنا، والمنتج الذي يُحتمل أن نشتريه. وربما تصبح غدًا أكثر قدرة على توقع رغبات لم نفكر فيها بعد.

لكن السؤال الذي سيحدد مستقبل التسويق ليس: إلى أي مدى سيصبح الذكاء الاصطناعي قادرًا على معرفة ما نريد؟

السؤال الأهم هو: إلى أي مدى سنسمح له بأن يستخدم هذه المعرفة للتأثير فيما نختار؟

ففي عصر يتحول فيه الذكاء الاصطناعي تدريجيًا من مساعد للبائع إلى بائع بحد ذاته، قد تصبح الثقة هي العملة الأكثر قيمة في السوق. والشركات التي ستفوز في النهاية لن تكون بالضرورة تلك التي تعرف عن عملائها أكثر، وإنما تلك التي يعرف عملاؤها بوضوح لماذا تعرف عنهم كل هذا، وكيف تستخدم ما تعرفه.