من اللحظات التي تظل عالقة في ذاكرة الأم، اللحظة الأولى التي تضع فيها طفلها على صدرها لبدء الرضاعة الطبيعية، لكن هذه اللحظة لا ترتبط فقط بإشباع جوع الرضيع، وإنما تبدأ خلالها مجموعة من العمليات المهمة التي تساعد جسم الطفل على التكيف مع الحياة خارج الرحم.
وتلعب الرضاعة الطبيعية والتلامس الجلدي بين الأم وطفلها دورًا مهمًا في بداية حياة الرضيع، خاصة خلال الساعات الأولى بعد الولادة، لما لهما من ارتباط بالتغذية والمناعة وتنظيم حرارة الجسم وتعزيز العلاقة بين الأم وطفلها.

وفي هذا السياق، توضح الدكتورة إيمان عبد العظيم، استشاري الأطفال، في تصريحات خاصة لـ صدي البلد، أن الرضاعة الطبيعية تمثل مصدرًا مهمًا للعناصر الغذائية والمكونات المناعية التي يحتاجها الطفل في بداية حياته، كما أن التلامس الجلدي المبكر يوفر فوائد مهمة للأم والرضيع.
ماذا يحدث لجسم الطفل عند أول رضاعة؟
تقول د. إيمان عبد العظيم إن حليب الأم في الأيام الأولى يختلف في تركيبه عن الحليب الذي تنتجه خلال المراحل اللاحقة، ويُعرف هذا الحليب باسم اللبأ أو السرسوب.
ويحتوي اللبأ على مكونات غذائية ومناعية مهمة تساعد على دعم جسم حديث الولادة، ولذلك تحظى الرضاعة في الفترة الأولى من حياة الطفل بأهمية كبيرة.
ولا تقتصر أهمية الرضاعة على حصول الطفل على الغذاء، إذ تساهم مكونات حليب الأم في دعم نمو الجهاز الهضمي والمناعي للرضيع.
الرضاعة الطبيعية والأمعاء.. علاقة مهمة

وتوضح استشاري الأطفال أن الجهاز الهضمي للطفل لا يعمل بمعزل عن باقي أجهزة الجسم، إذ توجد داخل الأمعاء مجموعة كبيرة من الكائنات الدقيقة التي تعرف باسم الميكروبيوم المعوي.
وتساعد الرضاعة الطبيعية على تشكيل البيئة المناسبة لنمو أنواع من البكتيريا النافعة داخل أمعاء الرضيع، وهو ما يرتبط بتطور الجهاز الهضمي والمناعي خلال المراحل الأولى من الحياة.
ولهذا السبب، أصبحت صحة الأمعاء من الموضوعات المهمة في أبحاث صحة الأطفال، خاصة مع تزايد الاهتمام بالعلاقة بين ميكروبيوم الأمعاء والمناعة والصحة العامة.
من الأمعاء إلى المخ.. كيف ترتبط أجهزة الجسم؟
وتشير عبد العظيم إلى أن جسم الطفل يعمل كمنظومة متكاملة، وهناك اهتمام علمي متزايد بما يعرف بمحور الأمعاء والدماغ، وهو الاتصال المتبادل بين الجهاز الهضمي والجهاز العصبي.
لكنها تؤكد أن الحديث عن العلاقة بين الأمعاء والمخ لا يعني أن الرضاعة الطبيعية وحدها تحدد ذكاء الطفل أو مستقبله، فالنمو العقلي يتأثر بعوامل متعددة، من بينها الوراثة والتغذية والنوم والبيئة والتفاعل مع الوالدين.
ماذا يحدث عند التلامس الجلدي؟
من ناحية أخرى، يمثل التلامس الجلدي المباشر بين الأم وطفلها بعد الولادة لحظة مهمة، إذ يساعد على إبقاء الرضيع قريبًا من جسم الأم، كما يمكن أن يساعد في دعم تنظيم حرارة جسمه وتهدئته.
كما يرتبط التلامس الجلدي بتهيئة الطفل للرضاعة، ويمنح الأم والرضيع فرصة للتواصل المبكر بعد الولادة.
وتوضح استشاري الأطفال أن وضع الطفل على صدر الأم مباشرة، عندما تكون حالة الأم والطفل مستقرة ويسمح الفريق الطبي بذلك، يمكن أن يكون جزءًا مهمًا من الرعاية المبكرة بعد الولادة.
هل التلامس الجلدي مفيد للأم أيضًا؟
الفائدة لا تقتصر على الطفل، فالتلامس المبكر يساعد على تعزيز التواصل بين الأم والرضيع، وقد يدعم بدء الرضاعة الطبيعية.
كما أن قرب الطفل من أمه يساعدها على التعرف بشكل أفضل على إشارات الجوع والهدوء والانزعاج التي تظهر عليه، وهو ما يساعد تدريجيًا في بناء علاقة أكثر استجابة لاحتياجاته.
هل الرضاعة الطبيعية مهمة للمناعة؟
وتؤكد عبد العظيم أن حليب الأم يحتوي على مكونات مناعية تساعد في دعم دفاعات جسم الرضيع، وهو أمر مهم بشكل خاص خلال الفترة الأولى من العمر، عندما يكون جهاز المناعة لا يزال في مرحلة التطور.
لكنها تشدد على أن الرضاعة الطبيعية ليست بديلًا عن الرعاية الطبية أو التطعيمات أو المتابعة الدورية للطفل، وإنما جزء من منظومة متكاملة للحفاظ على صحته.
ماذا تفعل الأم في الساعات الأولى؟.
وتنصح استشاري الأطفال، الأمهات بالحرص على بدء الرضاعة الطبيعية مبكرًا قدر الإمكان إذا كانت حالة الأم والطفل تسمح بذلك، مع الاستعانة بالفريق الطبي أو استشاري الرضاعة عند وجود صعوبة في وضع الطفل أو التقام الحلمة أو عدم كفاية الرضاعة.
كما يجب عدم مقارنة كمية الحليب في الساعات الأولى بما يحدث بعد مرور عدة أيام، لأن إنتاج اللبن يتغير تدريجيًا وفق احتياجات الطفل.









