قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

عبد السلام فاروق يكتب: عكس عقارب الساعة!

عبد السلام فاروق
عبد السلام فاروق

لا أجد مناصاً من تناول المشكلة القديمة الجديدة التي ما زالت تؤرقني وتؤرق غيري من زملاء المهنة، إذ أري مثلهم ومعهم أننا نسير ضد الزمن.. عن الصحافة المصرية أتكلم..
أكتب عن صاحبة الجلالة وفي القلب غصة، وفي الذاكرة عمر كامل، وفي الضمير أسئلة لم يعد ممكناً تأجيلها.. أكتب عن مهنة ليست بالنسبة لأجيالنا المتعاقبة مجرد وظيفة، بل مدرسة للحياة وميداناً للمعرفة، ومساحة لممارسة الحق في السؤال وصناعة الرأي العام.. كانت الصحافة المصرية على امتداد أكثر من قرنين من الزمان واحدة من أهم أعمدة الحداثة العربية، ومنها خرجت أسماء صنعت مدارس في الكتابة والتحقيق والتحليل، وانتقل تأثيرها للعالم العربي كله..
هذه المهنة العريقة تقف اليوم أمام لحظة مختلفة وفارقة؛ لحظة لا يكفي فيها الحنين للماضي، ولا تنفع معها استعادة أسماء الكبار أو تعداد أمجاد الصحافة المصرية؛ نحن أمام أزمة وجود حقيقية تتداخل فيها أزمة التوزيع مع أزمة الإعلان، وأزمة التمويل مع أزمة المحتوى، وأزمة التكنولوجيا مع أزمة الحرية، وأزمة المؤسسات مع أزمة الثقة..
وليس أخطر ما في المشهد أن الصحيفة الورقية تفقد قارئها، وإنما أن الصحافة نفسها تفقد النموذج الذي كانت تعيش به وتؤدي من خلاله وظيفتها في المجتمع..
ومن هنا تأتي أهمية الحوار الذي فتحه الكاتب الصحفي ضياء رشوان، وزير الدولة للإعلام، حول أوضاع الصحافة والإعلام ومستقبل المهنة؛ فمجرد فتح الملف خطوة ضرورية، لأن المشكلة لم تعد تحتمل التأجيل أو المسكنات.. 
الأرقام لا تجامل
الصحفي الذي يهرب من الأرقام يهرب من نصف الحقيقة؛ الأرقام الواردة من السوق الأمريكية تحمل نُذرًا مقلقة يجب أن نقف أمامها وقفة المتأمل الواعي، لا وقفة المتفرج اللامبالي: ففي غضون عامين فقط، بين يوليو 2024 ويوليو 2026، فقدت أكبر عشرة مواقع إخبارية أمريكية 32% من زياراتها.. وفي الفترة ذاتها، خسرت أكبر خمسين منصة إخبارية أمريكية 37% من جمهورها. إننا نتحدث هنا عن اختفاء مليار وثمانمائة مليون زيارة شهرية، وهو رقم مخيف يفوق قدرة العقل على الاستيعاب..
أكثر من هذا شبكة CNN، التي كانت يوماً أيقونة الإعلام العالمي، فقدت 61% من زياراتها القادمة من محركات البحث؛ وهبطت من 124 مليون زيارة شهرية إلى 48 مليونًا فقط!! تخيلوا معي مؤسسة بهذا الحجم وبهذا التاريخ وبهذه الإمكانيات الفنية والمالية والبشرية تخسر أكثر من نصف جمهورها في غضون عامين فقط!
والمفارقة القاسية هنا أن الانهيار ليس تدريجياً بل حدث دفعة واحدة في مايو 2024، حين قررت جوجل تعميم خدمة "ملخصات الذكاء الاصطناعي" في نتائج البحث الأمريكية!
انهيار النموذج القديم
الصحيفة التقليدية قامت على معادلة واضحة: قارئ يدفع ومعلن يمول ومؤسسة تنتج وتوزع.. لكن أضلاع المعادلة كلها تعرضت للاختلال؛ فالقارئ تراجع، والإعلان هاجر إلى المنصات الرقمية، وتكاليف الورق والطباعة والنقل والأجور ارتفعت، بينما ظلت مؤسسات كثيرة تعمل بعقلية اقتصادية تنتمي إلى عصر آخر!
الأخطر أن المنصات الكبرى لم تعد مجرد منافس للصحافة؛ لقد أصبحت وسيطاً يتحكم في الوصول إلى الجمهور نفسه فـ Google وMeta  وغيرهما يمتلكون الخوارزميات التي تحدد بدرجة كبيرة ما يراه المستخدم، بينما تنتج المؤسسات الصحفية المادة الأصلية التي تُستثمر في دورة رقمية لا تملك قواعدها بالكامل.. ثم جاء الذكاء الاصطناعي ليضع السؤال في صورة أكثر قسوة؛ حيث بدأت محركات البحث بتقديم إجابات وملخصات مباشرة، بدلاً من الاكتفاء بإحالته إلى الموقع الأصلي. 

وقد أثارت Google AI Overviews بالفعل مخاوف المؤسسات الإخبارية الكبرى من تراجع النقرات وحركة المرور والإيرادات، فيما تنفي Google وجود تراجع عام في حركة الزيارات.. هكذا ظهرت مفارقة جديدة: الصحفي ينتج المعلومة، والمنصة تلخصها، والمستخدم يقرأها، بينما قد لا يصل إلى المصدر الأصلي أصلاً!  إنها ليست أزمة تقنية فقط؛ إنها أزمة في اقتصاد المعرفة نفسه.
فى مواجهة العاصفة
إن ما يحدث في الولايات المتحدة وأوروبا يصل إلى مصر، لكننا لا ندخل العاصفة بالشروط نفسها؛ فالمؤسسات الغربية الكبرى رغم أزماتها تمتلك علامات تجارية عالمية وقواعد اشتراك ومؤسسات بحثية وصناديق استثمار وخبرات متراكمة في الاقتصاد الرقمي.. أما الصحافة المصرية فتدخل المعركة وهي مثقلة بتراكمات مالية ومؤسسية ومهنية هائلة..
المؤسسات الصحفية القومية، التي تحمل إرثاً تاريخياً ضخماً، تواجه تحديات مالية وهيكلية عميقة.. والصحافة الخاصة، التي قدمت خلال العقدين الماضيين تجارب مهنية مهمة، تواجه بدورها سوقاً صعبة وقدرة محدودة على تحمل الخسائر الطويلة، والنتيجة أن غرف الأخبار نفسها أصبحت تدفع الثمن: صحفيون موهوبون يغادرون المهنة للعلاقات العامة، والإعلام المؤسسي، والعمل الحر، والمنصات الإقليمية، أو يبحثون عن مصادر دخل أكثر استقراراً! وهكذا لا تخسر الصحافة جمهورها فقط؛ إنها تخسر بعض أفضل عقولها أيضاً.
الأخطر من ذلك أن تتراجع المؤسسات التي تتحقق من المعلومات، وتراجع المصادر، وتراجع المسؤولية المهنية، ثم يظهر البديل: مؤثر على YouTube، أو صفحة مجهولة، أو حساب على  TikTok، أو منشور مجهول المصدر.. وهكذا يصبح ملايين المتابعين أمام محتوى لا تحكمه بالضرورة قواعد التحقق أو التوازن أو المسئولية..  إن الأزمة هنا ليست أن المواطن أصبح يقرأ أقل؛ بل أنه قد يصبح يقرأ أكثر، لكنه يعرف أقل!! تلك هي صحافة الفوضي.. صحافة تنبع وتصب فى عالم افتراضي لا ينبض بالحياة!
سبعة مفاتيح للخروج من غرفة الإنعاش
الخروج من الأزمة لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى تغيير أسلوبنا في التفكير.. أولاً: يجب التوقف عن منافسة الذكاء الاصطناعي في السرعة؛ إذ لن يستطيع الصحفي هزيمة الآلة في نقل الخبر العاجل، لكنه يستطيع التفوق عليها في التحقيق الميداني وفهم السياق وكشف الوثائق وطرح الأسئلة التي لا تطرحها الآلة..
ثانياً: يجب بناء علاقة مباشرة مع القارئ، من خلال الاشتراك الرقمي والنشرات البريدية والتطبيقات والبودكاست والفعاليات.. كلها أدوات لتحويل الجمهور من متلقي عابر إلى مجتمع حول المؤسسة.
ثالثاً: التخصص.. فصحافة الاقتصاد ليست مجرد نقل أسعار البورصة، والصحافة الصحية ليست إعادة نشر تصريحات، والصحافة المحلية ليست أخبار المحافظات.. التخصص يعني امتلاك معرفة لا يستطيع محرك بحث أن ينتجها وحده، إنها صحافة الشارع والتفاعل اللحظي.
رابعاً: إصلاح الاقتصاد؛ إذ لا يمكن لمؤسسة إعلامية أن تعيش للأبد على الإعلان وحده أو الدعم وحده، والمطلوب مزيج من الاشتراكات والعضويات والإعلانات والفعاليات والشراكات والمحتوى المتخصص.
خامساً: إعادة بناء الإطار القانوني الذي يحمي الصحفي والمؤسسة ويضمن حق الجمهور في المعرفة، لأن الاستقلال التحريري ليس ترفاً وإنما شرط من شروط الصحافة القابلة للحياة..
سادساً: الاستثمار في الصحفي نفسه. إن التكنولوجيا يمكن شراؤها، لكن الموهبة لا تشترى.. نحتاج لصحفي يعرف التحقيق والبيانات والفيديو والذكاء الاصطناعي، لكنه يعرف قبل ذلك كيف يسأل ويتحقق ويميز بين الحقيقة والدعاية..
سابعاً: استعادة الدور الإقليمي والدولي لمصر؛ فالمنافسة لم تعد بين صحيفة مصرية وأخرى مصرية؛ إنها بين غرف أخبار تتنافس على القارئ العربي والعالمي، ومصر بتاريخها الثقافي والبشري لا يجوز أن تترك صناعة التأثير الإعلامي الإقليمي لغيرها.
ضد اتجاه الزمن!
من الخطأ أن نضيع طاقتنا في محاولة استعادة مكانة الصحافة الورقية، فالزمن لا يعود للوراء.. الورق قد يبقى، وربما يتحول إلى منتج أكثر نخبوية وعمقاً، لكنه لن يستعيد وحده مركزية الماضي.. إن المعركة الحقيقية الآن هي إنقاذ الصحافة المصرية من أن تتحول إلى ذكرى جميلة عتيقة انجرفت بفعل الحداثة التي تجرف كل قديم.. 
إن دعوة ضياء رشوان للحوار بداية مهمة إذا تحول الحوار إلى قرارات ومؤسسات وسياسات، لا إلى مناسبة جديدة لتبادل الشكاوى والتباكي على اللبن المسكوب بلا طائل!
لقد أكد رشوان، في لقاءاته مع رؤساء تحرير الصحف الخاصة والحزبية، أن الصحافة الخاصة أسهمت في إثراء المشهد المصري مهنياً وفنياً، وأن الإعلام يواجه تحديات تستوجب التعاون والبحث عن حلول، لكن مهمة إنقاذ الصحافة لا يقع عبئها على الدولة وحدها، ولا المؤسسات وحدها، ولا النقابة وحدها.. إنها مسئولية مشتركة بين السلطة والصحفيين والمستثمرين والجمهور.. فالصحافة لا تموت يوم تتوقف مطابعها؛ إنها تموت يوم يفقد الناس حاجتهم إليها ورغبتهم لبقائها.. والمفارقة أن الناس اليوم أكثر احتياجاً إليها من أي وقت مضى: في عصر الأخبار الكاذبة، والذكاء الاصطناعي، والتزييف العميق، والاستقطاب، وانفجار المعلومات!
الصحافة لها عشاقها ومناصروها، وطريق التطور واضح وممكن، والوقت لم ينفد بعد.. إنما المطلوب الآن ليس المزيد من أجهزة التنفس الاصطناعي للصحافة القديمة التي توشك على الاحتضار، بل عملية إنقاذ كاملة تعيد للمهنة جوهرها: الحرية، والمهنية، والاستقلال، والقدرة على صناعة المعنى.. فإذا استطعنا ذلك، فلن يكون مستقبل الصحافة المصرية امتداداً لماضيها فحسب، بل بداية فصل جديد يليق بتاريخها.