قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

د.محمد عسكر يكتب: بين أمريكا والصين.. مصر في قلب معركة الذكاء الاصطناعي

د. محمد عسكر - إستشارى نظم المعلومات والأمن السيبراني
د. محمد عسكر - إستشارى نظم المعلومات والأمن السيبراني

لم تعد المنافسة بين الولايات المتحدة والصين على مصر تدور فقط حول الاستثمارات أو التجارة أو مشروعات البنية الأساسية التقليدية، وإنما انتقلت إلى مساحة أكثر حساسية وتأثيراً في مستقبل الدول وموازين القوة العالمية ألا وهى الذكاء الاصطناعي. في الأيام الأخيرة برزت مصر، بصورة لافتة، في قلب هذا التنافس، بعدما تقدمت شركة هواوي الصينية بعرض لإنشاء مراكز بيانات للذكاء الاصطناعي لصالح الحكومة المصرية، يتضمن توريد أكثر من ألفي شريحة متقدمة من سلسلة  Ascend، في الوقت الذي تحركت فيه واشنطن باتجاه تشكيل عرض أمريكي منافس يضم أسماء بحجم إنفيديا وAMD  ومايكروسوفت. وإذا صحت هذه المعطيات، فإننا لا نكون أمام مناقصة تكنولوجية عادية، وإنما أمام مشهد يعكس التحول العميق في طبيعة الصراع الدولي على امتلاك المستقبل. 


فالذي يجري ليس مجرد منافسة بين شركتين أو دولتين على بيع عدد من الرقائق الإلكترونية، وإنما هو صراع على منظومة متكاملة من القوة تبدأ من الشريحة الإلكترونية ولا تنتهي عند مركز البيانات. في عصر الذكاء الاصطناعي، أصبحت القدرة على توفير الحوسبة المتقدمة أشبه بامتلاك مورد استراتيجي جديد، مثلما كانت الطاقة والنفط والطرق والموانئ في عصور سابقة. ومن يمتلك القدرة على تدريب النماذج الذكية وتشغيلها على نطاق واسع، ويمتلك البيانات والطاقة والبنية الرقمية والكوادر القادرة على إدارة هذه المنظومة، سيكون أكثر قدرة على التأثير في الاقتصاد والسياسة والأمن والثقافة لعقود مقبلة.
من هنا يمكن فهم سبب الأهمية الاستثنائية للمشهد المصري. فمصر ليست سوقاً صغيرة يمكن أن تمر فيها صفقة تكنولوجية دون أن تثير اهتمام القوى الكبرى. إنها دولة ذات ثقل سياسي وجغرافي في الشرق الأوسط وأفريقيا، وتتمتع بموقع فريد عند ملتقى طرق التجارة والاتصالات العالمية، فضلاً عن امتلاكها سوقاً ضخمة وقاعدة بشرية واسعة، وشبكات اتصالات ومراكز بيانات تتطور بصورة متسارعة.

 ولذلك فإن إنشاء بنية قوية للذكاء الاصطناعي في مصر لا يعني خدمة السوق المصرية وحدها، بل يمكن أن يحول البلاد إلى مركز إقليمي للحوسبة السحابية والذكاء الاصطناعي يخدم دولاً عربية وأفريقية عديدة.
واللافت هنا أن الصين تبدو مدركة لهذه الحقيقة.

 فعرض هواوي، حسب التقارير المنشورة، يتضمن 1408 شرائح Ascend 950 مخصصة لسحابة تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، إضافة إلى نحو 600 شريحة أخرى لتشغيل مجموعات الاستدلال، مع خطة لتنفيذ البنية التحتية خلال عام واحد. وإذا تم تنفيذ مثل هذا المشروع، فإنه لن يكون مجرد نجاح تجاري لشركة صينية، بل سيكون أيضاً اختباراً عملياً لقدرة التكنولوجيا الصينية على الوصول إلى الأسواق الخارجية في واحدة من أكثر المجالات حساسية في الاقتصاد العالمي. كما أنه سيمنح بكين موطئ قدم مهماً في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي في أفريقيا.


ولذلك لم يكن غريباً أن تتحرك الولايات المتحدة. فواشنطن تعرف جيداً أن معركة الذكاء الاصطناعي لا تُحسم فقط داخل مختبرات وادي السيليكون، وإنما أيضاً في الدول التي ستبني خلال السنوات المقبلة مراكز الحوسبة الكبرى. ولهذا فإن احتمال دخول إنفيديا وAMD ومايكروسوفت في عرض منافس لا ينبغي قراءته باعتباره محاولة أمريكية للحصول على عقد تجاري فحسب، وإنما باعتباره جزءاً من دبلوماسية تكنولوجية جديدة تسعى من خلالها الولايات المتحدة إلى الحفاظ على نفوذها في البنية التحتية العالمية للذكاء الاصطناعي. 


وهنا تحديداً ينبغي أن تنظر مصر إلى المسألة بعين مختلفة. فالسؤال الحقيقي ليس: هل تختار القاهرة الصين أم الولايات المتحدة؟ بل: كيف تستطيع مصر أن تجعل التنافس بين القوتين فرصة تاريخية لبناء قدرتها الذاتية؟ هذه هي النقطة التي يجب ألا تضيع وسط الضجيج السياسي والإعلامي المصاحب للمنافسة. فأسوأ ما يمكن أن يحدث هو أن تتحول مصر إلى مجرد ساحة تتصارع فيها قوتان عظميان، ثم تخرج من المعركة بأجهزة ومعدات أجنبية دون أن تمتلك المعرفة أو الكوادر أو البرمجيات أو القدرة البحثية التي تجعلها شريكاً حقيقياً في صناعة الذكاء الاصطناعي.


إن مصر لا تحتاج إلى مركز بيانات أجنبي على الأراضي المصرية، وإنما تحتاج إلى بنية تحتية مصرية للذكاء الاصطناعي تستفيد من التكنولوجيا العالمية دون أن ترهن مستقبلها لمصدر واحد. والفرق بين العبارتين ليس لغوياً، وإنما استراتيجي. فإذا جاءت شركة صينية أو أمريكية وبنت المركز ثم ظلت مصر تعتمد عليها في تحديث الشرائح وإدارة الأنظمة وتوفير البرمجيات وتدريب الكوادر، فإننا نكون قد استوردنا البنية التحتية، لكننا لم نبنِ السيادة التكنولوجية.


والسيادة التكنولوجية لا تعني أن تصنع مصر كل شريحة إلكترونية بنفسها، فهذا هدف غير واقعي في المدى القصير. لكنها تعني أن تمتلك القدرة على فهم التكنولوجيا وإدارتها وتطوير تطبيقاتها، وأن تكون قادرة على الانتقال من مورد إلى آخر دون أن تنهار المنظومة، وأن تمتلك قواعد واضحة لحماية البيانات، وأن يكون لديها عدد كاف من المهندسين والباحثين القادرين على تشغيل البنية التحتية وتطويرها، والأهم من ذلك أن تتحول مراكز البيانات إلى معامل حقيقية لإنتاج المعرفة وليس مجرد مستودعات ضخمة للخوادم.


وفي تقديري، يجب أن تكون هذه النقطة في قلب أي تفاوض مصري مع الشركات العالمية. فإذا أرادت شركة صينية الدخول إلى السوق المصرية، فعليها أن تقدم أكثر من الأجهزة؛ وإذا أرادت شركة أمريكية الحصول على المشروع، فعليها أن تقدم أكثر من الرقائق. المطلوب هو نقل المعرفة، وإنشاء برامج تدريب متقدمة، ودعم الجامعات ومراكز البحث، وتمكين الشركات المصرية الناشئة من استخدام قدرات الحوسبة، والمشاركة في تطوير نماذج ذكاء اصطناعي باللغة العربية، وتكوين كوادر مصرية قادرة على إدارة هذه المنظومة بعد سنوات من تشغيلها.


والأمر الأكثر أهمية هو البيانات ففي عالم الذكاء الاصطناعي، قد تكون البيانات أكثر قيمة من الأجهزة نفسها. مركز بيانات متطور يستطيع تدريب نماذج هائلة، لكن إذا كانت البيانات التي يعتمد عليها خارج السيطرة الوطنية، أو إذا كانت قواعد استخدامها غير واضحة، فإن امتلاك البنية المادية وحده لا يكفي. ولذلك ينبغي أن تكون هناك قواعد دقيقة تحدد أين تخزن البيانات الحساسة، ومن يحق له الوصول إليها، وكيف تستخدم، وما إذا كان يسمح بنقلها خارج البلاد أو استخدامها في تدريب نماذج أجنبية.


وفي المقابل، ينبغي ألا تنظر مصر إلى المنافسة الأمريكية الصينية باعتبارها خطراً فقط. فالتاريخ الاقتصادي يعلمنا أن المنافسة بين الكبار يمكن أن تتحول إلى فرصة استثنائية للدول التي تعرف كيف تفاوض. ومصر اليوم تملك ورقة تفاوضية مهمة: موقعها، وسوقها، وثقلها الإقليمي، وحاجتها المتزايدة إلى الحوسبة، وإمكان تحولها إلى بوابة رقمية لأفريقيا والمنطقة العربية. وإذا أحسنت إدارة هذه الورقة، فقد تستطيع الحصول ليس فقط على مركز بيانات، وإنما على منظومة استثمار وتدريب وبحث وتطوير تمتد آثارها لسنوات طويلة.


وربما تكون أفضل استراتيجية لمصر هي ألا تختار بين المنظومتين الأمريكية والصينية بصورة مطلقة، بل أن تسعى إلى بناء بنية متعددة الموردين، بحيث لا يصبح مستقبل الحوسبة المصرية رهناً بشركة واحدة أو دولة واحدة. فالتكنولوجيا تتغير بسرعة مذهلة، وما هو متقدم اليوم قد يصبح قديماً بعد سنوات قليلة. ومن الخطأ أن نبني منظومة مغلقة تجعل تغيير مكون واحد فيها عملية باهظة ومعقدة. المرونة التقنية يجب أن تكون جزءاً من الأمن القومي الاقتصادي، مثلما هي جزء من الكفاءة التجارية.
لقد دخل العالم بالفعل مرحلة جديدة لم تعد فيها القوة تقاس فقط بعدد الطائرات أو حجم الناتج المحلي أو امتلاك الموارد الطبيعية. هناك قوة جديدة تتشكل حول القدرة على إنتاج المعرفة وحسابها وتوظيفها. ومن هذه الزاوية فإن المعركة الدائرة حول مركز بيانات للذكاء الاصطناعي في مصر تستحق اهتماماً يتجاوز تفاصيل المناقصة نفسها. إنها صورة مصغرة للصراع على شكل العالم خلال العقد المقبل.
ولذلك فإن الرهان الحقيقي لمصر ليس أن تفوز شركة هواوي، أو إنفيديا، أو أي شركة أخرى بالعقد. الرهان الحقيقي هو أن تفوز مصر نفسها أن تحصل على التكنولوجيا دون أن تفقد استقلال قرارها، وأن تستقبل الاستثمارات دون أن تصبح تابعة، وأن تستفيد من خبرات القوى الكبرى دون أن تتخلى عن بناء خبرتها الوطنية، وأن تحول مركز البيانات من مجرد منشأة تقنية إلى نواة لصناعة مصرية حقيقية في الذكاء الاصطناعي.


فإذا كانت الولايات المتحدة والصين تتنافسان اليوم على أن تكونا صاحبتَي النفوذ الأكبر في عصر الذكاء الاصطناعي، فإن السؤال الذي ينبغي أن تطرحه مصر على نفسها ليس: مع من نقف؟، وإنما: كيف نقف على أقدامنا؟. وربما تكون هذه هي اللحظة التي تستطيع فيها مصر أن تنتقل من موقع المستهلك للتكنولوجيا إلى موقع الشريك في صناعتها، ومن مجرد سوق تتنافس عليها القوى الكبرى إلى مركز إقليمي يصعب تجاوز دوره في خريطة الذكاء الاصطناعي العالمية.


وفي النهاية، فإن مركز البيانات الذي سيقام في مصر قد يكون مجرد مبنى مليئاً بالخوادم والشرائح، وقد يكون بداية عصر جديد. والفارق بين الاحتمالين لن تصنعه التكنولوجيا وحدها، وإنما تصنعه الرؤية التي تضعها مصر حول هذه التكنولوجيا. فالمستقبل لا تمنحه القوى الكبرى للدول مجاناً؛ المستقبل هو ما تنجح الدول في انتزاعه من بين أيدي الكبار، حين تعرف قيمة موقعها، وقيمة عقول أبنائها، وقيمة بياناتها، وقبل ذلك كله قيمة قرارها المستقل.