70 عاما من العلاقات المصرية الصينية
-الصين شريك تجاري واستثماري لمصر.. ماذا ننتظر من زيارة شي جين بينغ؟
-10 مليار دولار استثمارات صينية في أكثر 3 الآف شركة عاملة بمصر
-تطور الصادرات.. كيف تستفيد مصر من السوق الصينية؟
-ارتفاع الصادرات المصرية للأسواق الصينية خلال الثلاث سنوات الماضية
- توقيت استثنائي.. لماذا تتزايد أهمية السوق المصرية لبكين؟
تتزامن زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ المرتقبة لمصر مطلع سبتمبر المقبل، مع مرور 70 عاما على إقامة علاقات دبلوماسية بين البلدين.
وتعد مصر أول دولة أفريقية و عربية تقيم علاقات رسمية مع جمهورية الصين الشعبية.
الصين الشريك التجاري الأول لمصر
وتعد الصين ثاني أكبر اقتصاد في العالم الشريك التجاري الأول لمصر، إذ بلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين نحو 20.78 مليار دولار بنهاية 2025 مقابل 17.37 مليار دولار في 2024 بنمو سنوي قدره 19.6%.
وتتمثل أهم الصادرات المصرية للسوق الصيني في الوقود معدني وزيوت معدنية ومنتجات تقطيرها، منتجات زراعيةوألياف نسيجية، ملح، كبريت، قطن.
وجاءت الأجهزة الكهربائية علي قائمة الواردات الصينية لمصر ثم السيارات والجرارات ودراجات وأجزاؤها وكذلك منتجات الحديد والصلب.
استثمارات صينية في مصر
واستطاعت مصر خلال العشر سنوات الماضية إقامة شراكة استراتيجة واسعة مع الصين، حيث ارتفعت حجم الاستثمارات الصينية في مصر لنحو 10 مليار دولار موزعة على أكثر من 3000 شركة عاملة بالسوق المصري.
واستحوذ القطاع الصناعي على القطاع الأكثر جذبا للاستثمارات الصينية في مصر، وشمل تصنيع الأجهزة المنزلية والصناعات المغذية لصناعة السيارات وكذلك الألياف الزجاجية والمستلزمات الصحية،قطاع الإلكترونيات والهواتف الذكية وكذلك قطاع البنية التحتية والمقاولات، و نجحت مصر خلال العام الماضي جذب مزيد من الشركات الصينية العاملة في قطاع الغزل والنسيج.
ما الذي تريده مصر من الشراكة خلال المرحلة المقبلة؟
وتسعى مصر عبر موقعها الجغرافي لتوسيع تجارتها في الوقت الذي يعاد فيه تشكيل الاقتصاد العالمي وهناك صناعات يتم نقلها من الصين وأوروبا لعدد من الدول، ومصر على قمة قائمة هذه الدول لتصبح حلقة أساسية في سلاسل القيمة المضافة عالميا، نظرا لمزاياها النسبية من موقع متميز وبنية تحتية متطورة وعمالة متوفرة، بالإضافة إلى اتفاقيات استثمارية وتجارية تربطها بسوق أفريقي يضم 1.3مليار مستهلك.
وتستهدف مصر نقل العلاقات المصرية الصينية إلى مرحلة جديدة من التبادل التجاري إلى التكامل الصناعي ومن تنفيذ المشروعات إلى توطين التكنولوجيا ومن استيراد المنتجات إلى إنتاجها وتصديرها.
إعفاءات جمركية
بدأت الصين في مايو الماضي تطبيق مبادرة جديدة تمنح إعفاءات جمركية كاملة على واردات 52 دولة أفريقية، بما فيها مصر.
تعكس الأرقام نموا حقيقيا في قيمة الصادرات المصرية إلي الصين خلال الثلاث أعوام الماضية.
وشهدت الصادرات المصرية للأسواق الصينية ارتفاعا بنسبة 212.6% خلال أول 5 أشهر من عام 2026، لتصل إلى 737.6 مليون دولار مقابل 235.9 مليون دولار خلال نفس الفترة من عام 2025 بزيادة بلغت 501.7 مليون دولار، وفقا لبيانات حكومية.
وسجلت الصادرات المصرية نموا أيضا خلال العام الماضي، إذ سجلت ارتفاع لتصل إلى نحو 819 مليون دولار في 2025.
وبلغت الصادرات السلعية المصرية إلى الصين في عامي 2023 و2024 على التوالي 1.08 مليار دولار، و398 مليون دولار.
منتجات مرشحة لدخول للسوق الصيني
وهناك العديد من المنتجات المصرية وخاصة الزراعية مرشحة بقوة للدخول إلي الأسواق الصينية والاستفادة من الإعفاءات الجمركية، وفقا للمعايير الصينية، وأهم تلك المنتجات الموالح المصرية التي تتصدر الصادرات الزراعية للأسواق الخارجية.
بالإضافة إلى منتجات أخرى تمتلك مصر إمكانيات جيدة لتصنيعها. وتأتي منتجات منها اللب والكتان والقطن والبنجر و السلع الهندسية ضمن الصادرات القابلة للتوسع في السوق الصينية، وكذلك الأثاث، الجلود، السيراميك،الرخام المصنع. والأدوية والمستلزمات الصحية.
وتعد الصين الشريك التجاري الأول لكل دول العالم، بحجم تجارة سلعية خارجية نحو 6.16 تريليونات دولار في عام 2024، وفق أرقام قاعدة بيانات البنك الدولي.
تحويل مصر إلى مركز للتصنيع والتصدير للأسواق الأفريقية والعربية
ومن جانبه رأي الدكتور عبدالمنعم السيد، مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية والاستراتيجية، إن الزيارة المرتقبة للرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر تأتي في توقيت استثنائي، تتجاوز أهميته البعد السياسي والدبلوماسي التقليدي إلى أبعاد اقتصادية واستثمارية وتكنولوجية أكثر عمقا وتأثيرا فالعالم اليوم يشهد إعادة تشكيل واسعة لخريطة التجارة والاستثمار وسلاسل الإمداد، في ظل تصاعد المنافسة الاقتصادية والتكنولوجية بين الولايات المتحدة والصين وفرض قيود وضغوط متزايدة على الاستثمارات والمنتجات الصينية في الأسواق الغربية.
وأضاف مدير القاهرة للدراسات الاقتصادية في تصريحات خاصة لـ"صدى البلد" أن تبحث الصين عن أسواق جديدة ومراكز صناعية واستثمارية تستطيع من خلالها الحفاظ على توسعها الاقتصادي والوصول إلى مناطق جديدة و في نفس تبحث مصر عن شراكات قادرة على دعم الصناعة وزيادة الصادرات ونقل التكنولوجيا وتوفير العملة الأجنبية، ومن هنا تكتسب الزيارة المرتقبة أهميتها الحقيقية.
وأوضح السيد، أن مصر لا تحتاج فقط إلى زيادة حجم رؤوس الأموال الوافدة وإنما تحتاج بصورة أكبر إلى استثمارات منتجة تخلق مصانع جديدة وتوفر فرص عمل وتنقل التكنولوجيا وتزيد الصادرات وتخفيض فاتورة الواردات، وهنا تحديدا تظهر الصين باعتبارها أحد أكثر الشركاء قدرة على تقديم هذا النموذج في المرحلة الحالية
فالصين تمتلك فوائض رأسمالية وصناعية ضخمة تبحث عن فرص جديدة خارج حدودها كما تواجه شركاتها ضغوط متزايدة في بعض الأسواق الأمريكية والأوروبية وهو ما يدفعها إلى البحث عن وجهات استثمارية بديلة ومراكز إنتاج جديدة وفي المقابل تمتلك مصر مجموعة من المزايا التي تجعلها وجهة جذابة لهذه الاستثمارات؛ سوق محلية ضخمة اكثر من 120 مليون نسمة وموقع جغرافي استثنائي وقناة السويس باعتبارها أحد أهم الممرات التجارية في العالم وبنية تحتيه و موانئ جاهزه ومنطقة اقتصادية واعدة واتفاقيات تجارية تسمح بالنفاذ إلى الأسواق العربية والأفريقية والأوروبية.
وأكد مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية، أن مصر لا يجب أن تقدم نفسها للصين باعتبارها مجرد سوق كبير للمنتج الصيني وإنما باعتبارها منصة صناعية ولوجستية تستطيع الشركات الصينية من خلالها الوصول إلى مئات الملايين من المستهلكين في أفريقيا والعالم العربي فضلا عن الأسواق الأوروبية.
4.7 مليار دولار استثمارات في منطقة قناة السويس
وأشار إلي تجربة قائمة بالفعل تؤكد أن التعاون المصري الصيني تجاوز مرحلة التصريحات والاتفاقيات. فمنطقة التعاون الاقتصادي والتجاري «تيدا – مصر» داخل المنطقة الاقتصادية لقناة السويس تمثل نموذجًا واضحًا لهذا التعاون حيث تضم أكثر من 200 شركة باستثمارات تراكمية تجاوزت 4.7 مليار دولار كما تجاوزت مبيعاتها التراكمية 7.3 مليار دولار وأسهمت في توفير أكثر من 10 آلاف فرصة عمل مباشرة وهذه التجربة يجب أن تتحول من نموذج ناجح محدود إلى قاعدة يمكن البناء عليها لإنشاء تجمعات صناعية صينية أكبر وأكثر تنوع.
وذكر أن الشركات الصينية أصبحت لاعبا مهما في تنفيذ مشروعات البنية التحتية المصرية بداية من منطقة الأعمال المركزية بالعاصمة الإدارية الجديدة وعلى رأسها البرج الأيقوني الذي يبلغ ارتفاعه 385.8 مترًا ويعد أطول مبنى في أفريقيا مرورا بمشروعات النقل مثل القطار الكهربائي الخفيف LRT وصولا إلى التعاون في مجالات الفضاء والأقمار الصناعية وتطوير قدرات التجميع والدمج والاختبار
وأضاف:بعد أن استفادت مصر من الخبرات الصينية في بناء البنية التحتية أصبح من الضروري أن يكون الهدف الأساسي هو توطين الصناعة والتكنولوجيا وهنا يمكن أن تركز المباحثات المرتقبة على التوسع في قطاعات السيارات خاصة الكهربائية وصناعة البطاريات والإلكترونيات ومراكز البيانات والذكاء الاصطناعي والطاقة الجديدة والمتجددة، والصناعات الكيماوية والمنسوجات والملابس الجاهزة.
ونوه إلى أن المنافسة المتوقعة بين الشركات الصينية والأمريكية في مشروعات التكنولوجيا المتقدمة ومنها مراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية تمثل فرصة مهمة لمصر. فالمصلحة المصرية لا يجب أن تكون في الانحياز إلى طرف ضد آخر وإنما في خلق منافسة حقيقية بين القوى الدولية للحصول على أفضل الشروط الممكنة حيث أي شركة ترغب في دخول السوق المصري توضح حجم الاستثمار وكم مصنع سيتم إنشاؤه، ونسبة المكون المحلي و حجم العمالة المصرية وايضاً مراكز البحث والتطوير وحجم الإنتاج الذي سيتم تصديره.
ومن هنا يمكن القول إن رأس المال الصيني يمتلك في المرحلة الحالية بعض المزايا المهمة بالنسبة للسوق المصري، فالشركات الصينية لديها قدرة كبيرة على الجمع بين التمويل والتكنولوجيا والتنفيذ السريع، كما أن الصين لديها خبرة واسعة في بناء منظومات صناعية متكاملة وليس مجرد إنشاء مصانع منفصلة وهذا النموذج هو ما تحتاج إليه مصر خاصة في صناعات السيارات والإلكترونيات والبطاريات والطاقة الجديدة.
تجمع بريكس
وأكد الدكتور عبد المنعم السيد، أن الصين قد تكون أكثر استعدادا في بعض القطاعات لإنشاء مراكز إنتاج في الأسواق الناشئة في وقت تركز فيه شركات أمريكية وأوروبية كثيرة على الأسواق الكبرى أو الأكثر تقدما في مجالات التكنولوجيا والبرمجيات والذكاء الاصطناعي وهذا يمنح مصر فرصة لجذب جزء من الاستثمارات الصينية التي تبحث عن أسواق جديدة خصوصا إذا تم تقديم حوافز مرتبطة بالإنتاج والتصدير ونقل التكنولوجيا، فالهدف لا يجب أن يكون أن تأتي الشركات الصينية إلى مصر لتبيع منتجاتها فقط، أو حتى لتجمع منتجات مستوردة، وإنما أن تتحول مصر تدريجيا إلى مركز صناعي حقيقي داخل سلاسل الإنتاج الصينية العالمية.
أوضح أهمية انضمام مصر إلى تجمع بريكس والذي يمكن أن يفتح آفاق جديدة لتعزيز التعاون التجاري والاستثماري بين الدول الأعضاء ودراسة زيادة استخدام العملات المحلية في بعض المعاملات التجارية بما قد يساهم على المدى الطويل في تخفيف جزء من الضغوط المرتبطة بالطلب على الدولار، وإن كان ذلك يتطلب آليات مالية وتجارية واضحة وقابلة للتنفيذ.
وأشار مدير مركز القاهرة للدراسات الاقتصادية ، إلي أهمية أن التكامل بين مبادرة «الحزام والطريق» الصينية و«رؤية مصر 2030» يمكن أن يمنح العلاقات بين البلدين بعد اقتصادي أكثر استدامة فمصر تريد أن تصبح مركز إقليمي للصناعة والخدمات اللوجستية والطاقة والتجارة بينما تبحث الصين عن ممرات وأسواق ومراكز إنتاج جديدة وبين الرؤيتين مساحة واسعة من المصالح المشتركة، ولهذا فإن نجاح زيارة الرئيس الصيني المرتقبة لا ينبغي قياسه بعدد مذكرات التفاهم والاتفاقيات التي سيتم توقيعها فقط، وإنما بنوعية المشروعات التي ستخرج بها،فمصر تحتاج اليوم إلى استثمارات تحقق ثلاثة أهداف في وقت واحد: إنتاج محلي أكبر، وصادرات أعلى ونقل حقيقي للتكنولوجيا.



