القمامة في مصر ليست عارًا يجب إخفاؤه، بل استثمار اقتصادي حقيقي يمكن البناء عليه، إذا ما أُحسنت إدارته. البداية الحقيقية لحل هذه الأزمة تكمن في الفرز من المنبع، وتأهيل جامعي القمامة ومنحهم تأمينًا صحيًا ومعاشًا يليق بأهمية عملهم، فهذه الخطوات هي المدخل الفعلي لاختفاء المخلفات من الشوارع. وإذا لم تتضمن أي دراسة مطروحة هذه النقاط الجوهرية، فلن تُحل المشكلة جذريًا مهما بلغت التكلفة.
في الآونة الأخيرة، حظيت فكرة “ماكينات الاسترداد الذكية” باهتمام إعلامي واسع، باعتبارها مظهرًا حضاريًا يليق بالمدن الحديثة. غير أن واقع الأمر يشير إلى أن هذه الفكرة سبق أن جُربت في مصر وفشلت، تمامًا كما فشلت تجربة “الصناديق الثلاثة” الملونة للفرز، الموجودة في بعض المولات والمناطق السياحية والمدن الجديدة.
لماذا فشلت هذه التجربة؟ ما حدث هنا يمكن وصفه اقتصاديًا بـ”استيراد المظهر” أو “قفز المراحل”؛ أي كمن يأتي بسيارة محركها محروق وهيكلها مكسور، ثم يدهنها بأغلى أنواع الدهان ويعتقد أنها ستسير. فقضية القمامة في جوهرها قضية سلوك ومنظومة متكاملة، ولا يمكن حلها إلا بتفصيل الحل على طبيعة المجتمع ككل، وليس على فئة أو طبقة بعينها.
فمن الناحية الرأسمالية، يتراوح سعر الماكينة الواحدة بين 5 آلاف و15 ألف دولار أمريكي (ما يعادل تقريبًا 250 إلى 750 ألف جنيه مصري)، وهي ماكينة تُترك في الشارع معرضة للأتربة والأعطال والسرقة. أما من ناحية السعة والعائد، فالماكينة بدون مكبس تتسع لنحو 300 إلى 500 زجاجة بلاستيكية، أي ما يعادل 6 إلى 10 كيلوجرامات فقط، وبسعر يتراوح حول 25 جنيهًا للكيلو الواحد، فإن العائد اليومي الإجمالي للماكينة إذا امتلأت بالكامل يتراوح بين 150 و250 جنيهًا فقط. أما الماكينة المزودة بمكبس داخلي فتتسع لـ1500 إلى 2500 زجاجة مضغوطة (30 إلى 50 كيلوجرامًا)، بعائد يومي يتراوح بين 750 و1250 جنيهًا.
والمفارقة هنا أن هذا العائد اليومي المتواضع لا يكفي لتغطية تكاليف التشغيل الأساسية، من كهرباء وإنترنت وصيانة حساسات ونقل وتفريغ دوري، فكيف يمكن لهذه الماكينات أن تسترد تكلفتها الرأسمالية الأصلية التي تُقدَّر بالملايين؟
أما العائد على المواطن فلا يحتاج إلى تعليق، لكن الأهم هو العائد على “الجامع” أو “الزبال”، وهنا يكمن جوهر المشكلة. منذ أكثر من عشرين عامًا، طرحت الحكومة حلاً باستقدام شركات أجنبية لإدارة ملف القمامة، وكانت هذه التجربة لا تقل فشلاً عن فكرة الماكينات الذكية؛ إذ كانت معرفة هذه الشركات بسلوك المواطن المصري تساوي صفرًا. ورغم ذلك أُبرمت العقود وتقاضت الشركات مقابلها. ومع أحداث يناير وما صاحبها من انفلات أمني، أُتلفت أو سُرقت العديد من المعدات وصناديق التجميع الخاصة بهذه الشركات، وحين أعادت الشركات حساباتها، وجدت أن دفع الغرامات الجزائية المترتبة على فسخ العقد أو التقصير أقل كلفة بكثير من شراء معدات وسيارات جديدة.
الكارثة الأكبر تمثلت في التصادم المباشر بين هذه الشركات الأجنبية وجمعيات الزبالين التقليديين. فالشركات الأجنبية لم تكن تصعد إلى المنازل لجمع القمامة، بينما كانت هذه هي المهمة الأساسية لـ”الزبال” التقليدي، الذي كان يجمع القمامة من المنازل، ويستخرج منها المواد ذات القيمة المادية كالبلاستيك لضمان مصدر رزقه، ثم يُلقي بالباقي في الشوارع. وهكذا تضاعفت الأزمة وأصبحت الشوارع أكثر امتلاءً بالقمامة الملقاة.
والخلاصة الجوهرية هنا أن أي فكرة للتخلص من القمامة أو إعادة تدويرها لا بد أن تُعرض أولاً على أهل المهنة والعاملين في القطاع غير الرسمي، لتقييم مدى ملاءمتها للواقع الفعلي؛ فالمساس بأرزاق هؤلاء لا يخدم مصلحة الدولة ولا المواطن، بل يضر بالجميع.
يقول المثل الشعبي: “إدّي العيش لخبازه”. فمجتمع الزبالين موجود في مصر منذ ما قبل تأسيس وزارة البيئة نفسها في تسعينيات القرن الماضي، ولهم نقابة ومسؤولون يدركون خبايا هذا القطاع، وعلى رأسهم نقيب الزبالين بالقاهرة شحاتة المقدس. وسواء اتفق المرء أو اختلف معه، فإن الرجل يفهم طبيعة هذه المهنة، ويمتلك علاقة مباشرة بالعمال والمجمعين، وهو قادر على صياغة منظومة عمل حقيقية وناجحة، بعيدًا عن بيروقراطية الأجهزة الإدارية المنفصلة عن واقع الشارع.
من هنا، تبرز أهمية استشارة أهل الخبرة الميدانية قبل إنفاق الملايين على تجارب مستوردة ومكررة، حتى لا نضطر مجددًا للقول: “سامحنا يا مقدس”.