تتعاقب الفصول الأربعة على مدار العام ، حاملة لكل منها ملامحه الجوية وخصائصه التي تميزه عن غيره ، من حرارة الصيف ورطوبته إلى اعتدال الخريف وتقلباته ، وبرودة الشتاء وأمطاره، ثم رياح الربيع وارتفاع درجات الحرارة وما يصاحبها من ظواهر جوية متباينة.
وفي مصر، لا تسير الفصول على وتيرة واحدة ؛ إذ تتأثر طبيعة كل فصل بمصادر الكتل الهوائية والتوزيعات الضغطية ودرجات الحرارة فيما تبرز الفصول الانتقالية، الربيع والخريف، بوصفها فترات تتغير خلالها الأنماط الجوية بصورة أسرع ؛ مما يجعل الطقس أكثر قابلية للتقلب من يوم إلى آخر.
ومع ما يشهده العالم من تغيرات مناخية، بدأت بعض الظواهر الجوية تظهر في توقيتات أو شدة تختلف عما اعتاده المصريون ، دون أن يعني ذلك اختفاء الخصائص الأساسية للفصول الأربعة ، وهو ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول كيفية تعريف الفصول أرصاديا وفلكيا ، وما الذي يميز كل فصل في مصر، ولماذا تختلف خصائصه من عام إلى آخر ؟.
وفي حوار مع وكالة أنباء الشرق الأوسط ، كشفت الدكتورة منار غانم المتنبئ الجوي بمركز التنبؤات والإنذار المبكر بالهيئة العامة للأرصاد الجوية عن أبرز خصائص الفصول الأربعة في مصر، والفروق بين التقسيم الفلكي والأرصادي، وأكثر الفصول تقلبا، وتأثير الظواهر المناخية والتغيرات المناخية في طبيعة الطقس على مدار العام.
وقالت غانم في بداية الحوار : "إنه في علم الأرصاد الجوية والمناخ، يقسم العام إلى أربعة فصول، يستمر كل منها ثلاثة أشهر؛ فالشتاء يضم ديسمبر ويناير وفبراير، والربيع مارس وأبريل ومايو، والصيف يونيو ويوليو وأغسطس، والخريف سبتمبر وأكتوبر ونوفمبر".
وأضافت : "تحدد الفصول فلكيا وفق تعامد الشمس على خطوط العرض والمدارات المختلفة ؛ فتتعامد على خط الاستواء في الربيع والخريف، وعلى مدار السرطان في الصيف، وعلى مدار الجدي في الشتاء ، لكن من المنظور الأرصادي والمناخي، يرتبط الانتقال بين الفصول بالتغير في درجات الحرارة ومصادر الكتل الهوائية ومنظومة التوزيعات الضغطية والظواهر الجوية، ولذلك تكون لكل فصل منظومته الجوية وخصائصه المميزة".
وعن أبرز خصائص الفصول الأربعة في مصر، وكيف تختلف الفصول الانتقالية عن غيرها؟ .. أجابت غانم بأن الصيف يتميز بارتفاع درجات الحرارة ونسب الرطوبة، إلى جانب تأثير امتداد منخفض الهند الموسمي، الذي قد يتقدم أو يتأخر من عام إلى آخر.
وقالت : إن الربيع يرتبط بالمنخفضات الخماسينية ورياح الخماسين وإثارة الرمال والأتربة إلى جانب ارتفاع درجات الحرارة، حيث تسجل أعلى درجات الحرارة على مدار العام خلال النصف الثاني منه ، وهو فصل انتقالي ينقلنا من برودة الشتاء إلى حرارة الصيف، ولذلك يميل النصف الأول منه إلى أجواء الشتاء، بينما يقترب النصف الثاني من الصيف.
أما الخريف – وفقا لغانم – فإنه يتميز باعتدال درجات الحرارة وزيادة فرص سقوط الأمطار، ويعد موسما مهما للأمطار والسيول ، خاصة في المناطق الجبلية مثل سيناء وسلاسل جبال البحر الأحمر، مع امتداد منخفض السودان الموسمي.
وقالت : "تتغير خلال الخريف مصادر الكتل الهوائية، وتظهر بصورة أكبر الكتل القادمة من جنوب أوروبا مرورا بالبحر المتوسط، وهو أيضا فصل انتقالي؛ إذ يميل نصفه الأول إلى خصائص الصيف بينما يقترب نصفه الثاني تدريجيا من أجواء الشتاء".
وبالنسبة لفصل الشتاء .. أشارت غانم إلى أنه فصل انخفاض درجات الحرارة والبرودة وتزداد خلاله فرص سقوط الأمطار مع مرور المنخفضات الجوية على البحر المتوسط، ومن أبرز التوزيعات الجوية المرتبطة به المنخفض القبرصي والمرتفع السيبيري، إلى جانب تأثير الكتل الهوائية الباردة القادمة من شرق أوروبا وشرق آسيا..مشيرة إلى أن الأمطار تتركز خلاله بصورة أكبر على محافظات شمال البلاد بينما تبرز خلال الخريف فرص الأمطار والسيول في الجنوب وسيناء وسلاسل جبال البحر الأحمر.
وأوضحت أن التغيرات المناخية أسهمت في ظهور بعض حالات التداخل بين الظواهر الجوية المرتبطة بالفصول ، فأصبح من الممكن أن نشهد ظواهر كانت ترتبط عادة بفصل معين خلال فصل آخر..مشيرة إلى أن بعض السنوات شهدت، ومنها شتاء عام 2025، ظهور بعض سمات الربيع بصورة مبكرة، كما بدأت تُرصد فرص لسقوط الأمطار خلال فصل الصيف وأحيانا أمطار قد تصل إلى حد السيول في بعض المناطق.
وأضافت أن هذا التداخل لا يعني فقدان الفصول خصائصها الأساسية وإنما يعكس تغيرا في توقيت بعض الظواهر وشدتها، نتيجة التغيرات التي تطرأ على منظومة التوزيعات الضغطية، إلى جانب ظهور بعض مظاهر التطرف المناخي.
وأفادت بأن الفصول الانتقالية، خاصة الربيع والخريف، تعد الأكثر تغيرا في منظومة التوزيعات الضغطية يليهما الشتاء ثم الصيف.. موضحة أن الخريف يتميز بصورة خاصة بالتقلبات الجوية الحادة والسريعة بينما كان الصيف تقليديا وأقل تقلبا لكنه أصبح يشهد أيضا بعض الحالات المتطرفة، مثل موجات الحر الشديدة وفرص سقوط الأمطار في بعض الفترات.
وعن العوامل التي تجعل خصائص الفصل تختلف من عام إلى آخر ودور ظاهرتي النينيو واللانينيا في ذلك ؟.. أجابت غانم بأن هناك عوامل طبيعية ومناخية تؤثر في خصائص الفصول من عام إلى آخر، من بينها ظاهرتا النينيو واللانينيا، إلى جانب تأثير التغيرات المناخية والاحتباس الحراري وارتفاع درجات حرارة البحار والمحيطات.
وأوضحت أن ظاهرة النينيو ترتبط بارتفاع درجات حرارة سطح البحر في مناطق من وسط وشرق المحيط الهادئ، ويمكن أن تؤثر في أنماط الطقس عالميا بينما تمثل اللانينيا طورا مناخيا مختلفا، إلى جانب الطور المحايد.
وأكدت أن تأثير هذه الظواهر لا يكون متطابقا في جميع الدول، وإنما يختلف وفق الموقع الجغرافي وطبيعة المناخ والظروف الجوية المحلية .. مشيرة إلى أن ارتفاع حرارة سطح البحر المتوسط يمكن أن يكون عاملا مهما في قوة بعض الحالات الجوية في مصر، خاصة خلال فصل الخريف.
وحول مدى إمكانية التنبؤ بملامح الفصل قبل بدايته ؟.. قالت غانم: إن التنبؤات الفصلية يمكن أن تقدم ملامح عامة عن طبيعة الفصل قبل بدايته بنحو ثلاثة أشهر، مثل اتجاهات درجات الحرارة أو معدلات الأمطار مقارنة بالمعدلات المناخية.
وأوضحت أن هذه التنبؤات تظل بعيدة المدى، ولذلك تكون أقل دقة وتفصيلا من التنبؤات قصيرة المدى، ولا يمكن من خلالها تحديد تفاصيل الحالات الجوية اليومية .. لافتة إلى أنه كلما اقترب موعد الحالة الجوية أصبحت العوامل المؤثرة أكثر وضوحا، وبالتالي تزداد دقة التنبؤات وتفاصيلها.
وعن مدى تأثير التغير المناخي في ملامح الفصول الأربعة .. قالت الدكتورة منار غانم : إن التغير المناخي لا يلغي الخصائص الأساسية للفصول لكنه أصبح يؤثر بصورة واضحة في المناخ العام لمصر والعالم، ويؤدي إلى تغير بعض السمات المناخية التي اعتدنا عليها.
وشددت على أن الوصف التقليدي لمناخ مصر بأنه "حار جاف صيفا، دافئ ممطر شتاء " أصبح يشهد بعض التغيرات مع اختلاف شدة بعض الظواهر وتوقيتها وظهور مظاهر من التطرف المناخي..موضحة أن التغير المناخي لا يعيد رسم الفصول الأربعة بصورة كاملة وإنما يعيد تشكيل المناخ العام ويؤثر في طبيعة بعض الظواهر المرتبطة بكل فصل.
وعن أهم النصائح التي يجب أن يضعها المواطن في اعتباره عند الانتقال من فصل إلى آخر ؟.. قالت غانم : إن الفترات الانتقالية تشهد تذبذبا في الظواهر الجوية وتغيرا أسرع في مصادر الكتل الهوائية ومنظومة التوزيعات الضغطية، ولذلك يجب متابعة النشرات الجوية والتحذيرات الرسمية بصورة مستمرة.
ونصحت بعدم الاعتماد على توقع واحد لفترة طويلة ، لأن درجات الحرارة والظواهر الجوية قد تتغير من يوم إلى آخر .. مشيرة إلى أنه في ظل التغيرات المناخية يفضل متابعة التحديثات الجوية بصورة متكررة، خاصة خلال الفترات الانتقالية، لأن المستجدات التي تطرأ على الحالة الجوية قد تستدعي تعديل التوقعات مع اقتراب موعد الحالة.
واختتمت غانم الحوار بالقول : "إن لكل فصل خصائصه الأساسية، إلا أن الوعي بالتغيرات السريعة ومتابعة النشرات الجوية أولا بأول يظلان عاملين مهمين للتعامل مع الفترات الانتقالية".
وبين ثبات خصائص الفصول وتغير تفاصيلها، يبقى الطقس في مصر انعكاسا مباشرا للتغيرات التي تشهدها المنظومة المناخية عالميا ؛ مما يجعل متابعة النشرات والتحديثات الرسمية ضرورة لمواكبة فصل يتغير وجهه من يوم إلى آخر، دون أن يفقد هويته الأساسية.