كشفت الدكتورة إيمان شاكر مدير مركز الاستشعار عن بُعد بالهيئة العامة للأرصاد الجوية عن الدور المتنامي للتقنيات الحديثة، وفي مقدمتها الأقمار الصناعية والرادارات ونماذج التنبؤات العددية والذكاء الاصطناعي في تعزيز القدرة على رصد الظواهر الجوية المتطرفة والتنبؤ بها، بما يتيح اتخاذ إجراءات استباقية للحد من الخسائر البشرية والمادية.
وقالت شاكر - في حوار لوكالة أنباء الشرق الأوسط - إن الكوارث المناخية التي شهدها العالم أثبتت أن حجم الخسائر لا يتوقف على شدة الظاهرة الجوية وحدها، وإنما يتأثر أيضا بمدى الاستعداد لها، وكفاءة البنية التحتية، وسرعة وصول التحذيرات إلى المواطنين والجهات المعنية، وقدرة المؤسسات على الاستجابة.
وأضافت : أن تطوير منظومات الإنذار المبكر يتطلب الجمع بين دقة التنبؤات الجوية وفهم طبيعة المخاطر في كل منطقة، إلى جانب رفع الوعي المجتمعي وتحسين التنسيق بين الجهات المعنية .. مؤكدة أن التكنولوجيا الحديثة تمثل أداة مهمة لتقليل آثار الكوارث، لكنها لا تلغي تماما عدم اليقين المرتبط بتطور الظواهر الجوية.
وحول أبرز الكوارث المناخية التي شهدها العالم عبر التاريخ وتأثيراتها في حياة البشر والاقتصادات والمجتمعات .. أوضحت شاكر أن العالم شهد كوارث مناخية وجوية واسعة التأثير، تنوعت بين موجات الجفاف والمجاعات والأعاصير والفيضانات وموجات الحر الشديدة، وأظهرت أن الظواهر الطبيعية قد تتحول إلى أزمات إنسانية واقتصادية كبيرة عندما تتزامن مع ضعف الاستعداد وارتفاع معدلات التعرض للمخاطر.
وأشارت إلى أن من أبرز هذه الأحداث موجة الحر التي ضربت أوروبا عام 2003 ، وإعصار كاترينا الذي تسبب في فيضانات مدمرة بمدينة نيو أورلينز الأمريكية عام 2005 ، والفيضانات الواسعة التي شهدتها باكستان عام 2022 وأسفرت عن خسائر كبيرة في الأرواح والمنازل والأراضي الزراعية.
ولفتت إلى أن مدينة درنة الليبية شهدت كارثة كبيرة في سبتمبر 2023، بعدما أدت الأمطار الغزيرة المصاحبة للعاصفة دانيال إلى فيضانات وانهيار سدين ؛ مما تسبب في دمار واسع وخسائر بشرية جسيمة .. قائلة : "إن هذه الكارثة أظهرت أهمية الربط بين التحذيرات الجوية وتقييم المخاطر المرتبطة بالبنية التحتية والأودية وشبكات تصريف المياه".
وأفادت بأن عام 2024 شهد أيضا أحداثا جوية متطرفة، من بينها الفيضانات التي ضربت مناطق في الإمارات إلى جانب أعاصير وفيضانات واسعة التأثير في الولايات المتحدة .. مؤكدة أن المخاطر المناخية لا تقتصر على منطقة جغرافية بعينها بل يمكن أن تطال مجتمعات مختلفة وإن اختلفت طبيعة الظواهر ودرجة الاستعداد لها.
وأكدت أن دراسة هذه الكوارث تساعد على استخلاص الدروس المتعلقة بتطوير نظم الرصد والإنذار المبكر وتحديث خطط الطوارئ، ورفع كفاءة البنية التحتية، بما يقلل من حجم الخسائر عند وقوع الظواهر المتطرفة.
وفيما يتعلق بتأثير الظواهر الجوية المتطرفة في حياة المجتمعات ومدى زيادة شدتها وتكرارها نتيجة التغير المناخي.. قالت شاكر: إن هذه الظواهر تؤثر في قطاعات عديدة، ولا تقتصر آثارها على الخسائر البشرية والمادية المباشرة؛ فالجفاف الممتد قد يؤدي إلى تراجع الإنتاج الزراعي ونقص المياه وارتفاع أسعار الغذاء، بينما تتسبب الفيضانات والأعاصير في تدمير المنازل والطرق والمنشآت والأراضي الزراعية، وقد تدفع السكان إلى النزوح بحثا عن أماكن أكثر أمانا.
وأضافت: أن موجات الحر الشديدة تفرض ضغوطا على الصحة العامة وقطاعات الطاقة والمياه والزراعة، خاصة في المناطق التي تعاني محدودية الموارد أو ضعف الخدمات.. موضحة أن آثار هذه الظواهر تتضاعف عندما تتزامن مع الفقر أو النزاعات أو هشاشة البنية التحتية مما يجعل التعامل مع المخاطر المناخية قضية تنموية وإنسانية، وليس مجرد تحدٍ متعلق بالتنبؤات الجوية.
وأوضحت أن التقييمات العلمية تشير إلى أن موجات الحر أصبحت أكثر شدة في معظم مناطق العالم كما زادت شدة أو تكرار الأمطار الغزيرة في مناطق واسعة، مع اختلاف الاتجاهات من منطقة إلى أخرى.
ولفتت إلى أن تقييمات الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ تشير إلى أن الاحترار العالمي يزيد من شدة الأمطار المرتبطة بالأعاصير المدارية، بينما لا يسير عدد الأعاصير عالميا بالضرورة في الاتجاه نفسه ولا تزال بعض الاتجاهات الإقليمية بحاجة إلى مزيد من الدراسة.
وشددت على أن تقييم التغير المناخي لا يعتمد على حادثة منفردة بل يستند إلى تحليل سجلات الرصد على مدى سنوات طويلة، ومقارنة درجات الحرارة وكميات الأمطار وشدة الرياح ومؤشرات الجفاف، إلى جانب دراسة احتمالات حدوث الظواهر المتطرفة ومدى تغيرها بمرور الوقت.
وحول إسهام التقنيات الحديثة في تطوير التنبؤات الجوية وأبرز التحديات التي تواجه منظومات الإنذار المبكر .. أكدت شاكر أن منظومات التنبؤات الجوية شهدت تطورا ملحوظا بفضل التكامل بين مصادر البيانات المختلفة، وفي مقدمتها الأقمار الصناعية التي تتيح متابعة السحب وحركة المنظومات الجوية على نطاق واسع، والرادارات التي تساعد في رصد الأمطار وتطورها، ومحطات الرصد الأرضية التي توفر قياسات لدرجات الحرارة والضغط والرطوبة والرياح.
وأوضحت أن هذه البيانات تُستخدم في نماذج التنبؤات العددية التي تحاكي حركة الغلاف الجوي وتساعد على توقع تطور الظواهر الجوية خلال الفترات المقبلة، كما يسهم الذكاء الاصطناعي في تحليل كميات كبيرة من البيانات واكتشاف الأنماط، بما يدعم بعض جوانب التنبؤ ويساعد على تحسين سرعة معالجة المعلومات.
وقالت : إن هذه التقنيات لا تعمل بمعزل عن الأسس العلمية للأرصاد الجوية، إذ تتوقف جودة النتائج على دقة البيانات وتوافرها، وكفاءة النماذج، ومدى ملاءمتها لطبيعة المنطقة والظاهرة محل الدراسة .. مشيرة إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يلغي الحاجة إلى النماذج الفيزيائية وخبرة المتنبئ الجوي والتحقق من النتائج.
وأضافت : أن أبرز التحديات تتمثل في صعوبة تحديد مكان الظاهرة المتطرفة وشدتها وتوقيتها بدقة كبيرة، خاصة في الظواهر سريعة التطور أو التي تتأثر بالتضاريس والاختلافات المحلية كما أن التنبؤ بهطول الأمطار لا يكفي وحده لتحديد حجم السيول المحتملة، إذ يتطلب ذلك دراسة طبيعة الأرض وانحدارها ومسارات الأودية وقدرة شبكات التصريف على استيعاب المياه.
وشددت على أهمية تطوير محطات الرصد والرادارات، واستخدام نماذج أكثر دقة، ودمج البيانات الجوية مع المعلومات الهيدرولوجية والجغرافية، إلى جانب تقييم أداء التنبؤات باستمرار، حتى تتحول المعلومات العلمية إلى تحذيرات واضحة يمكن للجهات المعنية والمواطنين الاستفادة منها.
وفيما يتعلق بالدروس الأساسية التي كشفت عنها الكوارث المناخية وآليات تحويل الإنذار المبكر إلى إجراءات فعلية للحد من الخسائر.. أجابت شاكر بأن صدور التحذير لا يمثل نهاية منظومة الإنذار المبكر بل هو إحدى حلقاتها، إذ يجب أن تصل المعلومة إلى الجهات المعنية والمواطنين في الوقت المناسب وأن تكون مصحوبة بإرشادات واضحة تحدد طبيعة الخطر والإجراءات المطلوبة للتعامل معه.
وأوضحت أن المنظومة الفعالة تتطلب معرفة المخاطر المحتملة في كل منطقة، وتوافر الرصد والتحليل والتنبؤ وإيصال التحذيرات عبر قنوات موثوقة، إلى جانب الاستعداد والاستجابة .. مشيرة إلى أن المنظمة العالمية للأرصاد الجوية تؤكد هذه المبادئ من خلال مبادرة (الإنذارات المبكرة للجميع) التي تستهدف تعزيز حماية السكان من مخاطر الطقس والمياه والمناخ عبر تطوير منظومات الإنذار المبكر المتكاملة.
وقالت : إن خطط الاستجابة يجب أن تتناسب مع طبيعة الخطر؛ فالمناطق المعرضة للسيول تحتاج إلى تحديد مسارات المياه ومناطق التجمع المحتملة بينما تتطلب موجات الحر إجراءات لحماية الفئات الأكثر تأثرا وتحتاج العواصف الترابية إلى تحذيرات تراعي انخفاض الرؤية وتأثيراتها في حركة المرور والأنشطة اليومية.
وشددت على أن التنسيق بين هيئات الأرصاد والأجهزة التنفيذية والمحافظات وإدارات الأزمات وقطاعات الصحة والنقل والمرافق يمثل عنصرا أساسيا في تقليل الخسائر، مع ضرورة مراجعة أداء المنظومة بعد كل حدث لتحديد نقاط القوة والقصور وتطوير خطط الاستجابة بناء على النتائج.
وأكدت أن توعية المواطنين لا تقل أهمية عن التطور التقني ، إذ يساعد فهم التحذيرات ومعرفة كيفية التصرف عند صدورها على تقليل التعرض للمخاطر وتعزيز قدرة المجتمعات على التعامل مع الظواهر المتطرفة.
وعن أبرز المخاطر الجوية التي تواجه مصر وأهمية التنبؤات المبكرة في حماية المناطق المعرضة لها.. أوضحت شاكر أن البلاد تواجه مجموعة من المخاطر الجوية التي تختلف باختلاف طبيعة المناطق الجغرافية والظروف الجوية السائدة، ومن أبرزها السيول الناتجة عن الأمطار الغزيرة في بعض المناطق الجبلية والصحراوية ، خاصة في مناطق من جنوب سيناء وشمالها وجبال البحر الأحمر والأودية إلى جانب موجات الحر والعواصف الترابية والرملية واضطراب الملاحة البحرية وارتفاع الأمواج في بعض الفترات.
ورأت أن مواجهة السيول تتطلب الجمع بين التنبؤ بكميات الأمطار وتحديد المناطق التي يمكن أن تتجمع فيها المياه ومسارات جريانها، لأن التأثير لا يتوقف على كمية المطر وحدها، وإنما يتأثر بطبيعة التضاريس والتربة ومدى قدرة الأرض وشبكات التصريف على استيعاب المياه.
وأشارت إلى أن موجات الحر تستلزم توفير معلومات مبكرة تساعد الجهات المعنية على الاستعداد لتأثيراتها في الصحة العامة واستهلاك الطاقة والمياه، بينما تسهم التحذيرات من العواصف الترابية في تقليل المخاطر المرتبطة بانخفاض الرؤية وتأثر حركة النقل والأنشطة الخارجية.
وأكدت أن الإنذار المبكر يكتسب أهمية خاصة عند توجيه المعلومات إلى المستوى المحلي؛ فكلما كانت التوقعات أكثر دقة مكانيا وزمنيا، وأُرسلت إلى الجهات المسؤولة عن المناطق المعرضة للخطر، زادت القدرة على اتخاذ إجراءات مناسبة قبل وصول الظاهرة.
وشددت على أهمية تعزيز تبادل المعلومات بين الجهات المعنية، وتطوير خرائط المخاطر، والاستفادة من بيانات الرصد والتنبؤات في تحديث خطط الطوارئ، بما يضمن أن تكون الاستجابة متناسبة مع طبيعة كل منطقة.
وحول مدى إمكانية التنبؤ بالكوارث المناخية قبل وقوعها وقدرة الذكاء الاصطناعي على منع تحول الظواهر الجوية إلى كوارث.. قالت شاكر: إنه يمكن التنبؤ بالعديد من الظواهر الجوية قبل وقوعها بوقت يسمح بالاستعداد لها، لكن المهلة الزمنية المتاحة ومستوى الدقة يختلفان بحسب طبيعة الظاهرة وحجمها وسرعة تطورها وتوافر بيانات الرصد.
وشددت على ضرورة التمييز بين التنبؤ بحدوث الظاهرة الجوية والتنبؤ بحجم آثارها؛ فقد يكون من الممكن توقع هطول أمطار غزيرة على منطقة معينة، بينما يتطلب تحديد احتمال حدوث سيول أو حجم الأضرار المحتملة معلومات إضافية عن طبيعة الأرض والأودية والبنية التحتية ومدى تعرض السكان والمنشآت للخطر.
وأفادت بأن الذكاء الاصطناعي يساعد في تطوير بعض أدوات التنبؤ وتحليل البيانات بسرعة، لكنه لا يتيح ضمان معرفة جميع تفاصيل الظواهر الجوية مسبقا، ولا يمكنه بمفرده منع تحول الظاهرة إلى كارثة، إذ تظل هناك حدود علمية مرتبطة بتعقيد الغلاف الجوي، وعدم اليقين في البيانات، والتغيرات السريعة التي قد تحدث أثناء تطور بعض الحالات الجوية.
وأكدت أن الهدف الأساسي يتمثل في زيادة مهلة الإنذار كلما أمكن وتحسين دقة التوقعات، وتحديد المناطق الأكثر عرضة للتأثيرات، ثم تحويل النتائج إلى إجراءات عملية تشمل الاستعداد المبكر وتوعية المواطنين وحماية الأرواح والممتلكات.
واختتمت شاكر بالتأكيد على أن التكنولوجيا تمنح أدوات أكثر تطورا لفهم المخاطر والتعامل معها، لكن تحقيق الاستفادة الكاملة منها يتطلب منظومة متكاملة تجمع بين العلم والتخطيط والتنسيق والاستجابة المجتمعية.