في الذكرى الستين لرحيله..
كانت أغنية «ذهب الليل طلع الفجر» تنساب من الهاتف، حين قالت لي صديقتي وهي تبتسم:
«الأغنية دي كل ما أسمعها بحس إني رجعت طفلة».
ابتسمت وسألتها عن أول مرة سمعتها فيها. حاولت أن تتذكر، ثم هزت رأسها وقالت:
«مش فاكرة... حاسة إني اتولدت وأنا عارفاها».
استوقفتني عبارتها أكثر من الأغنية نفسها. هناك أشياء نتذكر متى دخلت حياتنا، وهناك أشياء نجدها مستقرة في أعماقنا، كأنها كانت موجودة منذ البداية.
وفكرت في محمد فوزي…
ذلك الرجل الذي رحل منذ ستين عامًا، وما زالت أغنياته ترسم الابتسامة على وجوه أطفال يسمعونها اليوم، وأمهات يجدن في صوته ما يصلح لمداعبة صغارهن، وأشخاص بالغين يسمعون لحنًا قديمًا فتعود إليهم تفاصيل بيوت عاشوا فيها منذ سنوات طويلة.
ربما كان سر محمد فوزي أعمق من صوته الجميل وألحانه المرحة. لقد استطاع أن يجعل الموسيقى تتسلل إلى الحياة اليومية، حتى تصبح جزءًا من التجربة الإنسانية نفسها.
قلت لصديقتي:
«تعرفي إن فوزي اللي غنى للأطفال ماما زمانها جاية، هو نفسه اللي لحن النشيد الوطني الجزائري؟»
نظرت إلي بدهشة. وكانت دهشتها مفهومة.
فالصورة التي نحتفظ بها لمحمد فوزي غالبًا صورة الرجل خفيف الظل، صاحب الوجه البشوش والأغنيات التي تحمل روح اللعب والمشاكسة والحب.
لكن وراء تلك الصورة عقل موسيقي امتلك قدرة لافتة على فهم اختلاف المشاعر الإنسانية.
في أغنيات الأطفال، اقترب من عالمهم بلغته وإيقاعه وضحكته. وفي الأغنيات العاطفية، جعل الحب يبدو كأنه حديث بين شخصين يعرف أحدهما الآخر منذ زمن. وحين لحن «قسماً»، كلمات الشاعر الجزائري مفدي زكريا، استطاع أن يمنح كلمات المقاومة صوتًا يهتف به شعب بأكمله.
ثم وجدتني أستعيد أغنيات أخرى له، وكأنني أقلب صفحات ألبوم عائلي قديم.
ففي الأفراح، يطل محمد فوزي بأغنيته «يا ولاد بلدنا يوم الخميس»، حاملًا بهجة الزفاف وروح الدعابة الشعبية. وفي أعياد الميلاد، يحضر بصوته الدافئ في «يا نور جديد في يوم سعيد»، ليشاركنا الاحتفال بعام جديد من العمر.
وحين يحل شهر رمضان، تعود أغنيته «هاتوا الفوانيس يا ولاد»، فتستيقظ معها صور الفوانيس واللمة وفرحة الأطفال بالشهر الكريم. وحتى في موسم الحج، كان لصوته حضور بأنشودة «إلهنا ما أعدلك»، التي حملت روح الابتهال والخشوع.
تأملت هذه الأغنيات، واكتشفت أن فوزي يرافقنا في مناسبات تتباعد في طبيعتها، وتلتقي في أثرها الوجداني.
وكأن لكل مرحلة من حياتنا لحنًا تركه لنا هذا الرجل.
ومن هنا تتضح خصوصية تجربته.
فالفنان الذي استطاع أن يدخل غرفة طفل صغير بأغنية، عرف كيف يشارك العروسين فرحتهما، ويحتفل مع الإنسان بعيد ميلاده، ويستقبل رمضان مع العائلات، ويمنح شعبًا نشيدًا يعبر عن نضاله. وبين هذه العوالم مساحة إنسانية واسعة، استطاع فوزي أن يتحرك داخلها بوعي وحس موسيقي مختلف.
ولعل الأمر الأكثر إثارة أن هذه البساطة التي تصل إلينا بهذه السهولة كانت تحمل وراءها حسًا بالتجديد، ورغبة في البحث عن أشكال مختلفة للتعبير الموسيقي.
فوزي، الذي عرفناه مطربًا وممثلًا وملحنًا، كان أيضًا صاحب مشروع إنتاجي طموح. أسس شركة «مصر فون» لصناعة الأسطوانات، في تجربة تكشف أن علاقته بالموسيقى تجاوزت الأداء والتلحين إلى التفكير في صناعتها وانتشارها.
كان ينتمي إلى جيل أصبحت فيه الأغنية تتجاوز لحظة الغناء أمام الجمهور، وتستطيع الأسطوانة أن تحمل الصوت إلى بيوت بعيدة وأجيال قادمة.
ثم جاءت السنوات القاسية.
تأممت شركته عام 1961، وتبدلت معها حياته المهنية. وفي سنواته الأخيرة، داهمه مرض أنهك جسده وحير الأطباء آنذاك. وفي العشرين من أكتوبر عام 1966، رحل محمد فوزي وهو في الثامنة والأربعين من عمره.
هنا تبدو المفارقة موجعة.
الرجل الذي منح الناس كل هذه البهجة والمرح عاش في سنواته الأخيرة ألمًا ثقيلًا. ظل صوته مرتبطًا في الوجدان بالحيوية والضحك، بينما كانت حياته تمضي نحو نهاية مبكرة وقاسية.
لكنني كلما تأملت حكايته، وجدت أن اختزالها في مأساة النهاية يحجب جانبًا بالغ الأهمية من تجربته.
لقد ترك فوزي للناس أشكالًا متعددة من البهجة، ومنحهم ألحانًا تستطيع أن تعيش في مواقف مختلفة من حياتهم.
وهنا تحديدًا تظهر قيمة الفن الذي يبدو بسيطًا.
فنحن نميل أحيانًا إلى ربط العمق بما يحتاج إلى جهد كبير لفهمه، بينما تكشف تجربة محمد فوزي عن نوع آخر من العمق؛ ذلك الذي يستطيع أن يختصر المشاعر المعقدة في لحن قريب، ويصل إلى الإنسان بسهولة وعفوية.
إنها البساطة التي تأتي بعد معرفة، والبهجة التي تقف وراءها صنعة فنية دقيقة.
عادت صديقتي تستمع إلى الأغنية، ثم قالت:
«غريبة... كل السنين دي عدت، ولسه بنسمعها بنفس الفرحة».
تأملت عبارتها، وفكرت أن بعض الأعمال الفنية نعود إليها كي نتذكر أصحابها، بينما نعود إلى أعمال أخرى فنجد أنفسنا، وأعمارنا القديمة، والأشخاص الذين مروا بحياتنا.
وفي هذه الحالة يصبح الفنان جزءًا من ذاكرة أجيال تفصله عنها عقود طويلة.
هذه، في ظني، واحدة من أجمل صور البقاء.
أن تصنع شيئًا يستطيع أن يرافق الإنسان في طفولته، ثم يعود إليه في شبابه، ثم يقدمه لأطفاله، فيستمر العمل في اكتساب حيوات جديدة مع كل جيل.
وها نحن، بعد ستين عامًا على رحيل محمد فوزي، ما زالت أغنياته تدخل بيوتًا جديدة، وتوقظ ذكريات قديمة، وتصنع لحظات جديدة بعد رحيله.
وربما تكمن عظمة محمد فوزي في أنه ترك لنا أكثر من أغنيات نتذكرها.
لقد ترك لنا أغنيات نتذكر بها مراحل حياتنا.