قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

د.محمد عسكر يكتب: حين تصبح التكنولوجيا طرفًا في الحرب

د. محمد عسكر - إستشارى نظم المعلومات والأمن السيبراني
د. محمد عسكر - إستشارى نظم المعلومات والأمن السيبراني

 من يملك مفاتيح المعركة في عصر الذكاء الاصطناعي؟

لم تعد الحروب الحديثة تُحسم بالسلاح وحده، ولا بعدد الجنود أو حجم الترسانة العسكرية، بل باتت ترتبط على نحو متزايد بالقدرة على جمع المعلومات وتحليلها وتأمين الاتصالات وإدارة تدفق البيانات في اللحظات الحاسمة. وفي ظل هذا التحول، لم تعد التكنولوجيا مجرد أداة تستخدمها الدول لتحقيق أهدافها، بل أصبحت عنصرًا مؤثرًا في قدرتها على اتخاذ القرار وتنفيذ خططها العسكرية، بما يفتح الباب أمام نفوذ متزايد للشركات الخاصة التي تمتلك البنية التحتية الرقمية اللازمة لإدارة العمليات الحديثة. وهنا يبرز سؤال استراتيجي يتجاوز حدود التطور التقني: هل يمكن أن يمتلك صاحب التكنولوجيا قدرة على التأثير في مسار الحرب، حتى من دون أن يكون طرفًا مباشرًا في الصراع؟
تقدم تجربة إيلون ماسك وشبكة الاتصالات الفضائية «ستارلينك»، إلى جانب الجدل المتعلق بخدمات «ستار شيلد» العسكرية، مثالًا واضحًا على هذه الإشكالية. فقد كشفت التقارير الصحفية المنشورة في أكتوبر 2026 عن خلافات بشأن قيود على خدمات اتصالات فضائية تعتمد عليها أوكرانيا في بعض العمليات العسكرية، وما أثارته هذه القيود من تساؤلات حول تأثير الشركات التكنولوجية في ظروف القتال. ومع تضارب الروايات بشأن الجهة التي اتخذت القرار وتفاصيل تنفيذه، تظل القضية الأهم هي مدى اعتماد القدرات العسكرية الحديثة على بنية تحتية لا تملك الدولة المستخدمة سيطرة كاملة على إدارتها وشروط تشغيلها.
وتكمن أهمية هذه المسألة في أن الاتصالات الفضائية لم تعد مجرد وسيلة لنقل البيانات، بل أصبحت جزءًا من البيئة التشغيلية التي تعتمد عليها بعض القوات العسكرية في تبادل المعلومات والتنسيق ومتابعة الطائرات المسيّرة. وعندما تتعرض الاتصالات الأرضية للتدمير أو التشويش، تزداد أهمية الشبكات الفضائية، ويصبح استمرار الخدمة عاملًا مؤثرًا في قدرة الوحدات العسكرية على أداء مهامها. ومن ثم، فإن أي تغيير في شروط إتاحة الخدمة أو مستوى أدائها قد تكون له انعكاسات ميدانية، حتى إن لم يصدر عن الجهة المشغلة أي أمر عسكري مباشر.
ومن منظور تكنولوجي، تكشف هذه الحالة عن فارق جوهري بين امتلاك السلاح وامتلاك البنية التي تجعله فعالًا. فقد تمتلك الدولة طائرات مسيّرة متطورة، لكنها تحتاج إلى الاتصالات وأنظمة تحديد المواقع والبيانات وأدوات التحليل حتى تتمكن من تشغيلها بكفاءة. وقد تتوافر لديها معلومات استخباراتية ضخمة، لكن قيمتها تتراجع إذا تعذر نقلها أو تحليلها في الوقت المناسب. وهكذا تنتقل بعض مصادر القوة من المنظومات القتالية وحدها إلى الشبكات والبرمجيات والأنظمة الرقمية التي تدعم عملها.
ويضيف الذكاء الاصطناعي بُعدًا جديدًا إلى هذه المعادلة، إذ يتيح تحليل كميات هائلة من البيانات، ومقارنة صور الأقمار الصناعية، واستخلاص الأنماط من المعلومات الواردة من مصادر متعددة، بما يساعد على تسريع عملية التقييم واتخاذ القرار. وعندما تتكامل هذه القدرات مع الاتصالات الفضائية والحوسبة السحابية وأجهزة الاستشعار، تصبح سرعة الوصول إلى المعلومات ومعالجتها عاملًا مؤثرًا في كفاءة الأداء العسكري. غير أن هذا لا يعني أن كل تغيير في شبكة الاتصالات يرتبط بالذكاء الاصطناعي؛ فتقييد الخدمة يمكن أن يتم من خلال سياسات تقنية تقليدية، بينما تكمن الصلة الأوسع في اعتماد الحروب الحديثة على منظومات رقمية مترابطة يصعب فصل عناصرها بعضها عن بعض.
وتبرز هنا مسألة النفوذ الذي قد تتمتع به الشركات التكنولوجية الكبرى. فعندما تملك شركة موردًا رقميًا يصعب استبداله سريعًا، وتعتمد عليه مؤسسة عسكرية في وظائف حيوية، يصبح لقراراتها التقنية والتجارية أثر يتجاوز حدود السوق. وقد لا تستطيع الشركة تقرير نتيجة الحرب، لكنها قد تؤثر في الظروف التي تجري فيها العمليات، وفي سرعة الاستجابة، وفي الخيارات المتاحة أمام القيادة العسكرية. وهذا هو الفارق بين التحكم المباشر في مسار الحرب والتأثير في شروط خوضها.
ولا تقتصر هذه الإشكالية على الاتصالات الفضائية، بل تمتد إلى الحوسبة السحابية، وصور الأقمار الصناعية، ومراكز البيانات، ومنصات الذكاء الاصطناعي. فكلما تركزت الخدمات الرقمية الحيوية في أيدي عدد محدود من الشركات، ازدادت احتمالات نشوء تبعية استراتيجية يصعب التعامل معها أثناء الأزمات. وقد تمنح هذه الخدمات الدول قدرات متقدمة، لكنها قد تجعلها في الوقت نفسه أكثر ارتباطًا بقرارات جهات خاصة تخضع لاعتبارات تجارية وتعاقدية وقانونية وسياسية قد لا تتطابق دائمًا مع أولويات الدولة المستخدمة.
ومن هنا تبرز أهمية السيادة الرقمية بوصفها أحد مكونات الأمن القومي. ولا تعني هذه السيادة أن تنتج الدولة كل تقنياتها بنفسها، فذلك قد يكون مكلفًا وغير عملي، وإنما تعني امتلاك القدرة على إدارة الاعتماد التكنولوجي بصورة لا تسمح بتحوله إلى نقطة ضعف استراتيجية. ويتطلب ذلك تنويع مصادر الخدمات الحيوية حيثما أمكن، ووضع خطط لاستمرارية الاتصالات في حالات الطوارئ، وضمان وجود بدائل قابلة للتشغيل، وإبرام عقود تحدد بوضوح مسؤوليات الأطراف وشروط تعديل الخدمات أو وقفها. كما يتطلب رقابة مؤسسية وقانونية تتناسب مع الآثار التي قد تترتب على القرارات التقنية في المجالات العسكرية والسيادية.
وفي الوقت نفسه، ينبغي عدم المبالغة في تصوير نفوذ الشركات باعتباره سلطة مطلقة. فالتأثير الفعلي لأي شركة يتوقف على طبيعة الخدمة التي تقدمها، ومدى اعتماد المستخدمين عليها، والبدائل المتاحة، والقيود التعاقدية والقانونية، وقدرة الدولة على التفاوض أو الانتقال إلى مورد آخر. كما أن تحديد المسؤولية عن أي قرار مؤثر في العمليات العسكرية يتطلب أدلة واضحة بشأن الجهة التي اتخذته والآليات التي نُفذ بها، بدلًا من اختزال المسألة في إرادة شخص واحد أو افتراض أن كل قرار تقني يعكس بالضرورة موقفًا سياسيًا محددًا.
إن الدرس الأعمق من هذه التطورات هو أن القوة في عصر الذكاء الاصطناعي لم تعد تقاس فقط بامتلاك السلاح أو المعلومات، بل أيضًا بامتلاك البنية التي تتيح تشغيلهما وتأمينهما واستمرار العمل بهما. ومع تزايد اعتماد الجيوش على الشبكات الرقمية والخدمات التي تقدمها الشركات الخاصة، تصبح إدارة الاعتماد التكنولوجي جزءًا من إدارة الأمن القومي ذاته. فالتحدي الحقيقي أمام الدول ليس مجرد الحصول على أحدث التقنيات، وإنما ضمان ألا تتحول الحاجة إليها إلى تبعية تحد من استقلال القرار الوطني في اللحظات الأكثر حساسية.