قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

د. أمل منصور تكتب: أن تكون الأقرب إلى قلبه والأبعد عن عالمه

د. أمل منصور
د. أمل منصور

ليس كل من يسكن القلب يجد له مكانًا في تفاصيل الحياة، وليس كل من يحتل مساحة واسعة من المشاعر يصبح شريكًا حقيقيًا في العالم الذي يعيشه من يحب. فثمة مفارقة مؤلمة في بعض العلاقات العاطفية؛ أن تكون الشخص الذي يلجأ إليه الآخر حين تضيق به الحياة، والذي يطمئن إلى وجوده، ويخشى خسارته، وربما لا يتخيل أيامه من دونه، ومع ذلك تكتشف أنك لا تعرف الكثير عن عالمه، ولا تشارك بالقدر الذي تتمناه في قراراته وتفاصيله وأحلامه.

إنها المسافة الغريبة بين أن تكون قريبًا من قلب إنسان، وأن تكون حاضرًا في حياته.

قد تحب امرأة رجلًا تشعر بصدق مشاعره تجاهها، وتدرك أنها ليست عابرة في حياته، لكنها تكتشف أنها تقف على أطراف عالمه؛ تعرف ما يسمح لها بمعرفته، وتشارك في المساحات التي يفتحها لها، بينما تظل هناك أبواب مغلقة لا تعرف إن كان إغلاقها نابعًا من طبيعته، أم من خوفه، أم من اعتقاده أن الحب لا يستلزم أن يتقاسم اثنان كل شيء.

وقد يحب الرجل امرأة يشعر بأنه يحتل مكانة خاصة في قلبها، ويجد في مشاعرها دفئًا وصدقًا، لكنه يكتشف أنه لا يعرف كيف يفكر عقلها حين تواجه الحياة، ولا ما الذي يقلقها في أعماقها، ولا لماذا تتخذ بعض القرارات بعيدًا عنه، وكأنه حبيب في مشاعرها، لكنه ليس بالضرورة شريكًا في عالمها الداخلي.

وهنا لا تكون المشكلة دائمًا في غياب الحب، بل في الطريقة التي يفهم بها كل طرف معنى القرب.

فبعض الناس يعتقدون أن الحب شعور يمكن الاحتفاظ به في القلب، دون أن تتغير بسببه حدود الحياة أو طريقة اتخاذ القرارات أو مساحة المشاركة. يحبون بصدق، لكنهم يظلون متمسكين بعالمهم الخاص، وكأن السماح للآخر بالاقتراب من تفاصيلهم انتقاص من استقلالهم، أو تهديد للمساحة التي اعتادوا أن يتحركوا فيها وحدهم.

وقد يكون وراء ذلك خوف قديم من الانكشاف؛ فهناك من تعلّم أن يحمي نفسه بالصمت، وأن يتعامل مع مشكلاته بمفرده، وأن يحتفظ بأفكاره حتى تنضج بعيدًا عن أعين الآخرين. وعندما يقع في الحب، لا تختفي هذه الآليات تلقائيًا، بل قد يجد نفسه ممزقًا بين رغبته في القرب وخوفه من أن يصبح مكشوفًا أمام إنسان يعني له الكثير.

إنه يريد الحب، لكنه لا يعرف دائمًا كيف يسمح للحب بأن يقترب من المناطق التي اعتاد حمايتها.

وفي المقابل، قد يكون الطرف الآخر أكثر احتياجًا إلى المشاركة، لا لأنه يريد السيطرة، ولا لأنه يشك في مشاعر شريكه، بل لأنه يرى أن الحب الحقيقي لا يمنحنا مكانًا في القلب فحسب، وإنما يمنحنا أيضًا شعورًا بأننا جزء من الحياة. أن نعرف ما الذي يشغله، وما الذي يسعده، وما الذي يخيفه، وأن نشعر بأن وجودنا ليس مجرد ملاذ عاطفي يعود إليه حين يحتاج إلى الراحة، بل حضور له قيمة في يومه وغده وقراراته.

وهنا تبدأ الحيرة: كيف يمكن أن أشعر بأنني مهم إلى هذا الحد في مشاعرك، بينما لا أشعر بأنني حاضر بالقدر نفسه في حياتك؟

إن هذا السؤال لا يطلب بالضرورة معرفة كل الأسرار، ولا إلغاء الخصوصية، ولا تحويل العلاقة إلى مساحة من الرقابة المتبادلة. فلكل إنسان عالمه الخاص، ومن حقه أن يحتفظ بمساحة تخصه. لكن هناك فارقًا بين الخصوصية التي تحمي استقلال الإنسان، والعزلة التي تجعل شريكه يشعر بأنه يقف خارج الحياة التي يتمنى أن يشارك في بنائها.

فالخصوصية تقول: لدي مساحة تخصني، لكنني أختارك لتكون قريبًا مني. أما الإقصاء فيقول، بصورة مباشرة أو غير مباشرة: أحب وجودك في حياتي، لكنني لا أريد أن يتجاوز وجودك الحدود التي رسمتها لك.

والفارق بين المعنيين قد لا يظهر في الكلمات، بل في طبيعة العلاقة نفسها، وفي مقدار ما يشعر به كل طرف من مشاركة وانتماء.

والأكثر إيلامًا أن الإنسان قد يبدأ، مع مرور الوقت، في الشك في مكانته، لا في حب الطرف الآخر فقط. فالمرأة التي لا تجد نفسها حاضرة في عالم الرجل قد تتساءل إن كانت أهميتها لديه مرتبطة بما تمنحه من حنان واهتمام وطمأنينة، أكثر من ارتباطها برغبته في مشاركتها الحياة. وقد يتساءل الرجل إن كانت المرأة تحبه بوصفه شخصًا قريبًا منها، أم أنها تحب وجوده في المساحة العاطفية التي تحتاج إليها، بينما تظل بقية حياتها مغلقة أمامه.

وفي الحالتين، لا يكون الألم ناتجًا بالضرورة عن قلة المشاعر، بل عن التناقض بين المشاعر التي نسمع عنها والمكان الذي نشعر أننا نحتله بالفعل.

فالإنسان لا يريد دائمًا أن يكون محور حياة من يحب، لكنه يريد أن يشعر بأنه جزء أصيل منها. لا يريد أن يقرر بدلًا منه، لكنه يتمنى أن يكون لصوته مكان. لا يطلب أن يعرف كل ما يدور في ذهنه، لكنه يتمنى ألا يظل آخر من يعرف ما يغير حياته أو يمس مستقبله.

إنه يريد أن يشعر بأن الحب لم يجعله شخصًا عزيزًا فحسب، بل إنسانًا يُؤخذ وجوده في الحسبان.

وربما تكمن المفارقة في أن بعض المحبين يظنون أن شدة مشاعرهم كافية لإثبات مكانة الطرف الآخر، بينما يحتاج هذا الطرف إلى أن يرى أثر تلك المشاعر في الواقع. فقد يحب الرجل امرأة بعمق، لكنه لا يدرك أن استبعاده لها من تفاصيله يجعلها تشعر بالوحدة. وقد تحب المرأة رجلًا بصدق، لكنها لا تنتبه إلى أن احتفاظها الدائم بكل قراراتها ومخاوفها لنفسها يجعله يشعر بأنه غريب عن عالمها، مهما أكدت له مكانته في قلبها.

ليس كل اختلاف في التعبير عن الحب دليلًا على خلل، وليس كل احتفاظ بالخصوصية علامة على البرود. لكن الحب يحتاج إلى مساحة يلتقي فيها عالمان، لا إلى قلبين يظلان متجاورين بينما يعيش كل منهما حياة منفصلة عن الآخر.

فالعلاقة الناضجة لا تعني أن يفقد الإنسان نفسه كي يصبح جزءًا من حياة شريكه، ولا أن يتنازل عن استقلاله حتى يثبت حبه. إنها أن يستطيع الاحتفاظ بذاته دون أن يحوّلها إلى جدار، وأن يمنح الآخر القرب دون أن يشعر بأنه فقد حريته.

وفي أعماق الرجل والمرأة، مهما اختلفت طباعهما وطرق تعبيرهما، تسكن رغبة إنسانية مشتركة: ألا يكون الحب مجرد إحساس جميل نحتفظ به داخلنا، بل تجربة تجعلنا نشعر بأن هناك من يرانا، ويحسب وجودنا، ويريد أن نتشارك معه شيئًا من الحياة، لا أن نكتفي بالوقوف عند حدود قلبه.

فليس مؤلمًا أن يكون لمن نحب عالمه الخاص، بل أن نشعر بأننا لسنا جزءًا من العالم الذي يتمنى أن يعيش فيه.

فأجمل الحب ليس أن تكون أقرب الناس إلى قلب أحدهم فحسب، بل أن تشعر بأن لهذا القرب مكانًا حقيقيًا في حياته؛ لأن القلب الذي يحبك قد يمنحك مشاعر كثيرة، لكن العلاقة لا تكتمل إلا حين تجد تلك المشاعر طريقها إلى الحياة.