قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

أحمد نجم يكتب: من يصنع وعي المصريين؟

أحمد نجم
أحمد نجم

في أحد فصول كتابه "ناس وتاريخ" الذي أهداني نسخة منه صديقي الحبيب الأستاذ الدكتور  عاطف جوده سليمان، أستاذ الكيمياء الحيوية الطبية بكلية الطب جامعة الزقازيق، الذي يتضمن تاريخا وتأريخا للحياة السياسية والنيابية في مصر وكذلك الحياة الثقافية والاجتماعية.

كتب المؤلف جملة غاية في العمق تلخص قضية خطيرة جدا في مجتمعنا وأوضاعنا الحالية حين قال: المصري لم يكن يقرأ التاريخ ، بل كان يسمعه. هذه الجملة هي التي ألهمتني لكتابة هذا المقال.

اليوم نحن نعيش أزمة وعي ، أو صناعة الوعي، لكنها ليست جديدة. نحن فقط غيرنا الراوي . عندما كان الوعي صادقا له صوت وربابة قبل عشرات الأعوام. لم يكن هناك صحيفة في كل قرية ، ولا راديو في كل بيت، كان هناك المولد.

في مولد السيد البدوي بطنطا، أو مولد عبد الرحيم القناوي بقنا، كانت تنصب خيمة كبيرة ، يجلس فيها الراوي. رجل تخطي الستين عاما، يحفظ مئات من أبيات الشعر ، وأمامه ربابة من شعر الحصان، وخلفه جمهور من الفلاحين والعمال لا يعرفون القراءة، يجلسون في صمت وخشوع واحترام .

كان يحكي لهم السيرة الهلالية، يحكي عن أبو زيد الهلالي، الفارس الأسمر ابن رزق، الذي ولد منبوذاً لأنه أسود ، فأصبح بطلاً لأنه دافع عن المظلومين. ويحكي عن دياب بن غانم، القوي الذي خانه طموحه، وعن الجازية الهلالية، المرأة التي كانت تحكم بمشورتها رجال القبيلة.

الناس لم تكن تسمع هذه القصص للتسلية فقط. كانت تتعلم منها السياسة. من هو الحاكم الظالم مثل السلطان حسن؟ ومن هو البطل الشعبي الذي يجب أن نلتف حوله؟ ومتى يجب أن نصبر كما صبر بنو هلال في رحلتهم من نجد إلى تونس، ومتى يجب أن نثور؟

الراوي كان هو البرلمان والتلفزيون، والمدرسة. وإذا كذب الراوي أو حرف القصة ليرضي العمدة، كان الناس يقومون ويصححون له، بل ويطردونه أحياناً. كان هناك عقد اجتماعي بين الراوي والجمهور: أنت تحكي الحقيقة الشعبية بصدق، ونحن نحميك ونطعمك.

وهذا ما فهمه الشاعر الكبير الخال عبد الرحمن الأبنودي. الخال الأبنودي لم يكن مجرد شاعر ، كان منقذ وعي. عندما أخذ جهاز التسجيل القديم الذي أهداه له الفنان الراحل عبد الحليم حافظ، ولف به على رواة الصعيد في قنا وسوهاج، كان يعرف أن هؤلاء الرواة سيموتون، ومعهم سيموت تاريخ مصر غير الرسمي، فسجل مع 5 رواة كبار، مثل الراوي جابر أبو حسين، الذي كان يحكي السيرة في 3 ليال متواصلة دون أن يكرر بيتاً واحداً.

الراوي كان الجد أو الجدة، حين يجلس الأحفاد يستمعون لقصص البطولات والحكايات الملهمة التي تغرس محاور مهمة في حياة الأحفاد، وأحيانا تكون من وحي الخيال لبث قيم معينة في نفوسهم. الراوي كان الأب الذي يصطحب أولاده في نزهة أو زيارة يرسم لهم خطوات الوعي. 

كان الراوي الأم الصديقة التي تفتش في عقل أبنائها عن أي خلل لتصوبه .

وعندما انتقل الوعي من الحلقة إلى القاهرة، جاءت ثورة 1919، ثم ثورة 1952، رحل الراوي، وحل محله شخص جديد اسمه المذيع. وكان أحمد سعيد في صوت العرب، يقول بصوت حماسي يا أمة العرب من المحيط إلى الخليج. وجمال الشريف يقرأ بيان الثورة، بينما المقال للكاتب الصحفي الكبير محمد حسنين هيكل في الأهرام بعنوان “بصراحة”، أو مقال فكرة للكاتب الصحفي الكبير مصطفى أمين . كل ذلك كان يشكل وعيا هادفا مستنيرا.

الوعي أصبح مركزياً. يصنع في مبنى الإذاعة والتلفزيون بماسبيرو ، وفي مبنى الأهرام بشارع الجلاء، أو الأخبار في شارع الصحافة، ثم يوزع على كل القرى.

الإنسان المصري لم يعد يذهب للمولد، ليسمع التاريخ ، بل يجلس أمام الراديو الخشبي الكبير ليسمعه أو يشاهده في التليفزيون.

حتى أماكن صناعة الوعي تغيرت. وكما يقول د.عاطف جودة في مقهى جروبي. كان مقهى جروبي في وسط البلد لم يكن مجرد حلواني ، كان هو فيسبوك. كان يجلس فيه مصطفى النحاس، ويلمح بكلمة للكاتب الصحفي محمود أبو الفتح، فيكتبها في جريدة المصري، فتصبح رأياً عاماً في اليوم التالي. دائرة ضيقة جداً، من 10 أو 20 شخصاً، تصنع وعي 20 مليون مصري.

وكانت أيضاً المؤسسات الدينية والتعليمية، المسجد والكنيسة والجامعة والمدرسة، الشيخ الشعراوي في الثمانينيات عندما كان يفسر القرآن كل جمعة، كان يصنع وعياً دينياً واجتماعيا أكثر من كل وزارات الإعلام مجتمعة.

الفرق بين عصر الحلقة وعصر المنبر أن الراوي القديم كان ملكاً للناس، أما المذيع الجديد فكان ملكاً للدولة. الناس كانت تناقش الراوي، لكنها كانت فقط تستمع للمذيع ولا تستطيع مناقشته.

الآن مات المذيع الصادق. فمن يصنع وعي أبنائنا الآن؟ ليس الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل، ولا مصطفى أمين ولا أحمد سعيد، ولا حتى الخال الأبنودي. الآن الوعي يصنعه بلوجرز ومشاهير يظهرون بملابس نسائية أو شاب يشرح التاريخ في 60 ثانية وهو يرقص في السنتر.

انتقلنا من 3 رواة في الصعيد ، إلى 3 مذيعين في ماسبيرو، إلى 30 مليون صانع محتوى على تيك توك.

قصة مقتل كليب والزير سالم ، التي كانت تحكى في 50 ليلة على الربابة ، تحكي  اليوم فيديو بعنوان الزير سالم وكيف انتقم لأخيه؟ هي مادة سخيفة للضحك مدتها 45 ثانية، تحقق 4 ملايين مشاهدة، نصف المادة معلومات خاطئة تماماً بل وكاذبة.

شخصية أبو زيد الهلالي، الفارس الفيلسوف الذي كان يمثل العدالة الاجتماعية، تحولت إلى ميم ساخر على فيسبوك، أبو زيد وهو يهرب من فاتورة الكهربا، وهات يا ضحك.

حتى السياسة في الماضي لكي أفهم معاهدة كامب ديفيد ، كنت أقرأ  3 كتب. اليوم يمكن فهمها من فيديو لبلوجر يقول السادات باع القضية في 30 ثانية . وهو لا يعرف أين تقع كامب ديفيد على الخريطة.

إذا ما هي المشكلة؟ المشكلة ليست في البلوجر نفسه، بل في القاعدة التي تحكمه. الراوي القديم كانت تحكمه قاعدة أخلاقية ، إن كذب، انفض من حوله الناس والمذيع القديم كانت تحكمه قاعدة وطنية إن كذب، عاقبته الدولة .

أما البلوجر اليوم فتحكمه قاعدة الخوارزمية الهزلية فقط. الخوارزمية لا تريد الحقيقة، تريد الانتباه. لا تريد العمق، تريد الصراخ. لا تريد تاريخاً، تريد ترند. فالذي ينجح ليس الأكثر علماً، بل الأكثر قدرة على إثارة الغضب أو الضحك أو البكاء في 30 ثانية .

خطورة صناع الوعي الجدد على التيك توك تتلخص في  عدة أسباب منها : أن  السرعة تقتل الحقيقة . الراوي زمان كان يأخذ ليلة كاملة لكي يحكي معركة واحدة، فيتأكد من كل بيت.
ويؤكد على تقاليد وأخلاق أصيلة ونبيلة.

صانع محتوى التيك توك  يحكي تاريخ محمد علي كله في 45 ثانية، لكي يلحق الترند . والنتيجة معلومة مختصرة، مبتورة، وغالباً غلط. والناس تصدق لأن الفيديو سريع ومقنع.

أذكر ذلك الفيديو الذي انتشر، أن الفراعنة كانوا فضائيين. حصل على 8 ملايين مشاهدة، بينما فيديو دكتور زاهي حواس الذي شرح فيه الخطأ ، حصل على 80 ألف مشاهدة.

والسؤال لماذا؟ لأن الخيال أسرع من الحقيقة. ولم يعد البعض يسعى وراء الحقيقة.

الخطورة أنه لا توجد مرجعية ولا محاسبة لصناع الكذب والوهم، والفجور. من قبل لو الراوي كذب ، كبار البلد يوقفونه. ولو صحفي كتب معلومة خطأ ، كان رئيس التحرير  أو المجلس الأعلى للصحافة يحاسبه. الآن لو بلوجر قال ثورة 19 كانت مؤامرة لن يحاسبه أحد، بل بالعكس الخوارزمية الهزلية سوف تكافئه لأنه أثار جدلا.

الوعي الآن عاطفيا وليس عقلانيا. الخوارزمية تحب الذي يبكيك أو يضحكك أو يغضبك، وليس من يفهمك. فصناع الوعي الجدد أضحوا يستخدمون صراخا،  وموسيقى حزينة، وعناوين "الحقوا كارثة". بعض الناس  يأخذون موقفهم من التاريخ بناء على مشاعرهم، وليس على عقولهم.

تفتيت الهوية المشتركة،  فكل المصريين كانوا يسمعون نفس السيرة الهلالية، فكان عندهم نفس المرجعية. الآن كل واحد لديه تيك توك مختلف. هناك من يرى تاريخ مصر فرعونيا فقط ، والثاني يراه إسلاميا والثالث يراه عسكريا. الآن لا توجد حكاية واحدة تجمعنا، لكن أصبح فيه حكايات تفرقنا، وتقليد لمحتويات بلوجر فاجرة .

الأخطر أن بيع الوهم كأنه وعي. النخبة من قبل كانت تبيع الوهم في صالون مغلق،   الآن الوهم أصبح دليفري. بلوجر يظهر ليقول استثمر في هذه العملة وستكون مليونيرا أو التاريخ يقول أننا سوف ننتهي العام القادم .

وهو لا يعرف معني اقتصاد ولا تاريخ، لكنه يعرف فقط ان يصنع فيديو ساخرا والناس يصدقون لأنهم يبحثون عن أمل سريع .

خطورة تيك توك ليس لأنه يظهر  نماذج من ناس تافهة، لكن خطورته أنه يصنع التفاهة والتافه يبدو عالما، والعالم يبدو مملا. فالبعض يتعلم تاريخه من الممثل ، وليس من يعرف البحث عن المعلومة .

والأخطر عندما أسمع عن المعلم المفترض فيه أنه القدوة في تشكيل الوعي للطلاب فيقوم بسبهم بأبشع الألفاظ القذرة بالأم والأب، بدلا من توجيههم بالقيم النبيلة التي تشكل وعيا صادقا، أو المعلمة التي تضرب طلابها بالشلوت . كيف يستقيم وعي وسلوك هؤلاء الطلاب ؟ هذا الجيل أمانة في أعناقنا جميعا، كلا حسب دوره.

نحن انتقلنا من الراوي الأمين في بث القيم إلى الممثل التافه ، للخوارزمية الهزلية الجشعة. و الخوارزمية الهزلية هي ببساطة الطباخ الخفي ، و هي نظام برمجي يراقبك على الفيس والتيك توك ويعرف ما تهتم بمشاهدته ثم يختار لك المحتوى الذي يظهر لك بناء على سلوكك السابق بهدف إبقائك أطول فترة ممكنة على المنصة .

فهل نستطيع أن نعيد اختراع الراوي ؟ الحل ليس أن نلعن التيك توك ، ولا أن نمنعه. الحل أن نستخدمه بالطريقة الصحيحة. نتعامل معه كما تتعامل الزوجة مع السكين . تستخدمها في الحالات النافعة المطلوبة لها وليس في تقطيع جسد الزوج .

نحن نحتاج إلى راوٍ جديد. راوٍ يلبس تيشرت بدلاً من الجلباب، ويحمل موبايل بدلاً من الربابة، لكنه يحمل نفس الأمانة القديمة. شاب مثقف يعرف أن أبو زيد الهلالي ليس مجرد قصة، بل هو رمز لمقاومة الظلم، ويستطيع أن يحكيه في فيديو دقيقة واحدة بصدق، فينافس فيديو الرقص المبتذل. أن نحسن صناعة مشروع الوعي لصناعة هذا الراوي الجديد. فنحن لا تكتب تاريخاً أكاديمياً جافاً ، نحن نحاول أن نعيد الحكاء والحكاية للناس، أن نجعل جروبي والهلالية والأبنودي مفهومين لجيل تيك توك .و بث الأخلاق التربوية والتقاليد الإجتماعية الحميدة .

اليوم لابد أن نسأل أنفسنا من يصنع وعي أبنائنا ؟ وهل سنترك وعينا تصنعه الخوارزمية الهزلية ، أم سنصنع نحن خوارزميتنا الخاصة، التي تحكي حكايتنا بصوتنا بصدق ؟

التاريخ لن يسامحنا لو فسدت عقول ووعي شبابنا ، لكن الحل الآمن في اعتقادي هو العودة للأسرة . حيث الجد الحكاء والأب الراوي والأم الصديقة .
الراوي كان حدوتة قبل النوم.