قناة صدى البلد البلد سبورت صدى البلد جامعات صدى البلد عقارات Sada Elbalad english
عاجل
english EN
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
طه جبريل

أحمد نجم يكتب: حماية الوعي مسؤولية تضامنية بين الدولة والمواطن

أحمد نجم
أحمد نجم

في منتدى مصر، طالب الرئيس عبد الفتاح السيسي بأن نحاذر من المؤامرات التي تُحاك حولنا بنشر الأكاذيب والشائعات، مطالبًا المصريين بتنشيط ونشر الوعي وعدم الإلتفات لما يُبث من أكاذيب تُقلل من قيمة الدولة أو تُشكك في قدراتها وقراراتها . الرئيس لمس نقطة في غاية الأهمية لصناعة جيل يُدقق فيما يتلقاه من معلومات بوعي كامل.

ففي زمن إختلطت فيه المفاهيم وتسارعت فيه الأحداث، لم يعد الوعي رفاهية فكرية، بل أصبح ضرورة وجود للحفاظ على القيم المصرية الأصيلة وبث روح الإنتماء في نفوس الجيل الذي سوف يحمل راية النهضة .

في مقالي السابق، الذي كان يحمل عنوان: "من يصنع وعي المصريين ؟" كان هدفي أن أُسلط الضوء على جذور الأزمة: لماذا تراجع وعينا؟ وكيف تم اختراقه بنشر وترديد تزييف لكثير من المعلومات عبر بعض المنصات الإعلامية والتعليمية وأيضًا الخطاب السطحي؟ ومن الذي يُصنعه ، الراوي أم البلوجر؟

في هذا المقال، انتقلتُ من مرحلة التشخيص إلى مرحلة صناعة الحل: كيف نستعيد وعينا ؟ وكيف نُحول المعرفة إلى سلوك، والفكرة إلى مشروع ، والكلمة الصادقة إلى فعل حقيقي على الأرض؟ وكيف نقف في صف موازٍ لتوجيهات الرئيس بالحفاظ على وعي المصريين من الأكاذيب التي تنشر الفتنة وتُثير البلبلة؟

أيقنتُ أن الهدف الأساسي هو التأكيد على أن الوعي لم يعد ترفًا فكريًا، بل هو أساس البقاء وصمام الأمان للأمم . وبالضرورة طرح رؤية عملية حول كيفية إستعادة الوعي، وتحويله من مجرد أفكار نظرية إلى سلوك عملي ومشروع حضاري قابل للتنفيذ .

رحلتي مع الوعي بدأت بأن سألت نفسي ، ما هو الوعي؟ في رحلتي البحثية وجدت أنه ليس نوعًا واحدًا، فهناك الوعي الذاتي ،وهو أن تعرف نفسك بنفسك  ، والوعي الإجتماعي بأن تعرف مجتمعك، والوعي التاريخي بأن تعرف ماضيك، والوعي النقدي بأن تُميز بين الحق والباطل. والأهم من المعرفة التي تُنير العقل هو صدق ما تتلقاه من معلومات.

توصلتُ إلى أن أخطر أنواع الوعي هو أن تظن أنك واعٍ وأنت مُغيَّب العقل ، بفعل أكاذيب قد تُبث في عقلك وتُصدقها ، مثلما حدث أثناء فترة حكم الإخوان (المُغيَّبين) وما تبثه بعض المنصات المغرضة التي تُثير بلبلة في المعرفة وتُشكك في كل شيء .

فالوعي هو حالة عقلية يكون فيها الإنسان مُدركًا لذاته ، وما يدور حوله من أحداث ، متواصلاً بشكل مباشر مع مُحيطه الخارجي عبر حواسه ، ليتعرف بصدق علي ما يدور حوله من أحداث و حقائق .

و ينقسم إلي ثلاثة أنواع :
أولًا : الوعي الكامل، وهو الفهم الدقيق للأحداث القائمة على المعرفة والتحليل والإتزان ، وغالبا يكون صادقا في تحليله .

ثانيًا : الوعي الزائف، هو الحالة المُغايرة لأفكار الشخص وما يعرفه ، مع الواقع الحقيقي المُحيط به، فيعيش في وهم يسعى إليه لضعف قدرته على التمييز .

ثالثًا : الوعي الجزئي، وهو أن يكتفي الإنسان بمعرفة جزء من الحقيقة ، دون السعي إلى المعرفة الكاملة.

في إعتقادي أن أقوى أنواع الوعي هو الوعي الجمعي وهو ما نُسميه الضمير الجمعي، وهو مجموعة المعتقدات والقيم والأفكار والمشاعر والمعايير الأخلاقية المشتركة التي تسود بين أفراد مجتمع مُعين، وتعمل كقوة توحيد تربطهم بعضهم البعض .

مراحل الوعي مرت بكثير من المحطات، فقديمًا كان الراوي يُصنع ويشكل حالة الوعي، حينما يروي مواقف تاريخية أو بطولية طبقًا لما يُمليه عليه ضميره ، أو  مايريد أن يقوله .كان الناس يفرزون كلامه بدقة. وكان يأكل مما يجود به أهل القرية، لقمة بسيطة مُقابل حكاية صادقة .

كان تمويله من الناس، فكان ولاؤه للناس. اليوم اختلف المشهد. الراوي الجديد لا يأكل من بيوتنا، بل من شركات إعلانات ومنصات تدفع له بالدولار مُقابل كل صرخة . لم يعد السؤال ماذا يقول الراوي؟ بل من يدفع له ليقول؟ الوعي المجاني على التيك توك هو أغلى وعي، لأن ثمنه هو عقلك أنت. فحاول أن تُنقي ما تسمعه بدقة وتبحث عن المعلومة الصادقة .

للأسف بعض المدارس انسحبت بهدوء من ساحة الوعي ، وتركت السبورة فارغة ليملأها التيك توك . نتيجة إهمال بعض المعلمين بأهمية صناعة و تنمية وحماية الوعي لدى أبنائنا . كنا ندرس شجاعة  وبطولة قادتنا الذين صنعوا التاريخ ، و نعرف من نحن من تاريخنا الحقيقي ، ونتباهي فخورين  بتاريخنا وقادتنا .

اليوم التلميذ يحفظ منهجًا للإمتحان فقط ثم ينساه ، ويعود يشاهد فيديو 30 ثانية علي التيك توك ، قد يزيف له ما تعلمه من حقائق . نحن لا نحتاج تطوير تابلت ، نحن نحتاج مادة جديدة إسمها "حصة الوعي" يضع أسسها خبراء تربويين لتفيد وعي أبنائنا .

المؤسسة التربوية التعليمية هي أخطر مرحلة لتأكيد وتنقية الوعي، فعلى المعلم دور كبير جدًا في تنشئة الطلاب على قيم تربوية وأخلاقية ، وكذلك دور المؤسسات الدينية والاجتماعية والشبابية .

الذكاء الإصطناعي هو الراوي القادم . إذا كانت الربابة راوي الأمس ، والبلوجر راوي اليوم ، فالذكاء الإصطناعي هو راوي الغد وهو أخطرهم . البلوجر قد يكذب مرة، أما الروبوت فسيكذب بثقة مُطلقة وبمراجع مُزيفة و يقنعك بها .

اسأله مثلا عن حرب أكتوبر سيُعطيك رواية من مخزونه  قد تُمجد عدوك وتذكر بطولاته ، و قد تُشكك في معركتك معه . فمن سيكتب تاريخنا للروبوت ؟ إذا لم نصنع ذكاءً اصطناعيًا مصريًا برواية مصرية صادقة  ، فسيأتي ذكاء أجنبي ليصنع وعي أطفالنا . وهو مالا نتمني أن يحدث .

أقترح إنشاء مجلس أعلى لصناعة الوعي يضم نماذج مُشرفة مُختلفة من كافة  التخصصات العلمية ، من حكماء القرية وشيخ الأزهر وكاهن الكنيسة وأستاذ الجامعة وضابط الأمن وشاب التيك توك نفسه . تكون مهمته ليست المنع بل الإنتاج . إنتاج وعي وطني جذاب بلغة هذا الجيل . الوعي ليس رفاهية، الوعي هو الأمن القومي ذاته. ومن فرط في وعيه ، فرط في وطنه .

ولكن إذا كانت تلك هي أهمية صناعة الوعي ، فمن المسؤول إذًا عن حماية الوعي؟

في رأي أن المسؤولية تضامنية وليست فردية. فالدولة مسؤولة بتشريعاتها ومؤسساتها التعليمية والإعلامية والثقافية عن وضع إستراتيجية وطنية لحماية وعي المواطن وما يُقدم له عبر جميع المنصات.
ومحاسبة من يزيف الوعي .

والأسرة مسؤولة كخط دفاع أول ، فهي المصنع الحقيقي الذي يتشكل فيه وعي الإنسان منذ نعومة أظافره، بأن تبث في الطفل منذ النشأة القيم والتقاليد والإحترام والصدق ، وتُنمي فيه الإنتماء للوطن .

المعلم والعالم والمثقف مسؤولون أمام الله والتاريخ عن كل كلمة يقولونها، فالكلمة قد تبني أمة وقد تهدمها. فعقل الطالب هو عجينة لينة، يُمكن بث الحقائق فيها وتدريبه على فرز المعلومات. وكما يُنادي الرئيس عبد الفتاح السيسي بضرورة الإستثمار البشري في التعليم بوعي صادق .

الإعلام الهادف مسؤول مسؤولية مُضاعفة، لأنه السلاح الأخطر في معركة الوعي ، قادر على البناء والهدم في آن واحد فيما يُقدمه .

كل مواطن أصبح مسؤولاً في عصر الهاتف الذكي، فكل واحد منا أصبح منبرًا إعلاميًا مُتحركًا ، مسؤولاً عن كل شائعة ينشرها أو حقيقة يكتمها، وعن كل حرف يبثه عبر ٱي وسيلة ، فلابد من توخي الحرص على قول الحقيقة وبث الأخلاق الحميدة والبعد عن إعادة نشر الشائعات المُغرضة ونبذها .

إن حماية الوعي ليست مهمة الدولة وحدها ، ولا مهمة جهة بعينها ، بل هي معركة وطن بأكمله ، يدا بيد معا ، فالوطن هو المواطن ، والمواطن هو الوطن . فإذا غاب الوعي ضاع الوطن ، فحماية الوعي، هو حماية الوطن من كل خطر .

لذلك أتمنى من الوزير العزيز محمد عبد اللطيف ، وزير التربية والتعليم والتعليم الفني، أن تُضاف حصة للحصص الدراسية لتنمية الوعي في عقل الطالب تحت أي مُسمى وتدريبه على التفرقة بين الحق والباطل فيما يتلقاه من معلومات .