تحتفل دول العالم في 27 أكتوبر من كل عام باليوم العالمي للتراث السمعي والبصري ، بهدف تسليط الضوء على أهمية الحفاظ على الوثائق والمواد السمعية والبصرية وصونها من الضياع، باعتبارها جزءًا أصيلًا من الذاكرة الإنسانية والهوية الثقافية للشعوب، ومصدرًا مهمًا لتوثيق تاريخ المجتمعات وتقاليدها وتنوعها الثقافي والاجتماعي واللغوي.
ويأتي الاحتفال هذا العام تحت شعار «نافذتك على العالم»، ليبرز دور التراث السمعي والبصري في ربط المجتمعات وتعزيز التفاهم بين الشعوب والثقافات المختلفة.
ويأتي الاحتفال باليوم العالمي للتراث السمعي والبصري إحياءً لذكرى اعتماد المؤتمر العام لمنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة «اليونسكو» عام 1980 توصية بشأن حماية الصور المتحركة وصونها، بهدف تعزيز الوعي بأهمية الحفاظ على الوثائق والمواد السمعية والبصرية وضمان إتاحتها للأجيال المقبلة.
ويشمل التراث السمعي والبصري الأفلام والصور المتحركة والتسجيلات الصوتية والمرئية والبرامج الإذاعية والتلفزيونية والتسجيلات الموسيقية والشهادات الشفوية، وغيرها من المواد التي توثق جوانب الحياة الإنسانية، وتمثل سجلات أساسية لتاريخ القرنين العشرين والحادي والعشرين. وتكمن أهميتها في قدرتها على نقل الأحداث والتجارب بالصوت والصورة، واستكمال السجلات المكتوبة، ودعم البحث العلمي والتعليم، والحفاظ على الهوية الوطنية والفنون الشعبية والعادات والتقاليد والتنوع الثقافي واللغوي.
وعلى الرغم من قيمتها التاريخية والثقافية، تواجه هذه المواد تحديات تهدد بقاءها، أبرزها التقادم التكنولوجي وصعوبة تشغيل الوسائط القديمة، والتحلل الطبيعي للأفلام والأشرطة المغناطيسية، وسوء التخزين ونقص الموارد والخبرات الفنية، فضلًا عن احتمالات التلف أو التدمير المتعمد، ما يستدعي اتخاذ إجراءات عاجلة لحماية المجموعات المهددة بالضياع.
وتُعد الرقمنة من أبرز وسائل صون هذا التراث، إذ تتيح تحويل المواد القديمة إلى صيغ رقمية تسهّل حفظ محتواها وإتاحته، مع الاحتفاظ بالأصول وتطبيق النسخ الاحتياطي وإدارة الملفات وتحديث وسائط التخزين. كما تتطلب جهود الحماية تطوير أنظمة الفهرسة والتوثيق، وتوفير بيئات تخزين مناسبة، وتدريب المتخصصين، وتعزيز التعاون بين الأرشيفات والمتاحف والمكتبات ومحطات البث والجامعات والمراكز الثقافية.
وتمثل المناسبة فرصة لتقييم جهود حماية المجموعات الأرشيفية والتعريف بأهمية صون التراث الوثائقي، بما في ذلك التراث الرقمي، في ضوء توصية اليونسكو لعام 2015 بشأن صون التراث الوثائقي وإتاحته، بما يشمل التراث الرقمي. كما تسلط الضوء على دور أمناء المحفوظات والفنيين والباحثين والمتخصصين في الترميم والرقمنة في إنقاذ المواد التاريخية من الاندثار. وتشمل الأنشطة المرتبطة بهذه المناسبة إقامة المعارض وعروض الأفلام الوثائقية، وفتح الأرشيفات أمام الجمهور، وتنظيم الندوات وورش العمل، وتوثيق الشهادات الشفوية والذكريات المحلية، إلى جانب تشجيع الأفراد على حفظ تسجيلاتهم العائلية القديمة ورقمنتها بصورة سليمة.
وفي مصر، تكتسب هذه المناسبة أهمية خاصة في إطار الجهود الرامية إلى صون الذاكرة الثقافية الوطنية والحفاظ على التسجيلات والمواد التي توثق تاريخ المجتمع وفنونه الشعبية وموسيقاه وتراثه الشفهي.
وفي هذا السياق، تقيم الهيئة العامة لدار الكتب والوثائق القومية ندوة علمية وثقافية بعنوان «حفظ وصون التراث السمعي البصري في مصر»، غدا الأربعاء 28 أكتوبر 2026، في تمام الساعة الحادية عشرة صباحًا.
وتأتي الندوة ضمن خطة النشاط الثقافي لقاعة الموسيقى خلال شهر أكتوبر، بهدف التعريف بقيمة التراث السمعي والبصري، ومناقشة سبل حفظه وصونه وإتاحته للأجيال المقبلة، والتأكيد على دور الأرشيفات في حماية الذاكرة الثقافية والهوية المصرية.
في سياق متصل، عقد الجهاز المصري للملكية الفكرية اجتماعًا تنسيقيًا مع الهيئة العامة للاستعلامات، لبحث آليات حصر وتوثيق وحماية الأصول الفكرية والتراثية التي تمتلكها الهيئة، بما يشمل الأفلام والوثائق والتسجيلات الصوتية والمواد المرئية النادرة التي توثق محطات مهمة من تاريخ مصر السياسي والإعلامي والثقافي. كما تناول الاجتماع سبل إعادة إحياء هذه الأصول والاستفادة منها في إطار قانوني يحفظ حقوق الدولة، وتعزيز التعاون الفني والقانوني لتقييمها وتنظيم استخدامها وتعظيم قيمتها الثقافية والمعرفية والاقتصادية.
وتتكامل هذه الجهود مع المشروع القومي لأرشفة ورقمنة التراث الإذاعي والتلفزيوني المصري، الذي تنفذه الهيئة الوطنية للإعلام، ويستهدف أرشفة نحو مليون شريط صوتي ومرئي، بإجمالي مستهدف يصل إلى 800 ألف ساعة من المحتوى التاريخي النادر، باستخدام التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي في الفهرسة والتصنيف، إلى جانب وسائل متقدمة لتأمين المحتوى وحمايته من التلف أو الفقد.
وتأتي هذه التحركات في إطار توجه الدولة نحو صون الذاكرة الوطنية وتحويل الأرشيفات القديمة إلى مصادر معرفية وثقافية تخدم المجالات التعليمية والبحثية والإعلامية، وتضمن انتقال هذا الموروث إلى الأجيال المقبلة.
ويؤكد اليوم العالمي للتراث السمعي والبصري أهمية التعاون بين المؤسسات والأفراد في صون الذاكرة الإنسانية وحماية الهوية الثقافية، من خلال حفظ المواد التاريخية ورقمنتها وإتاحتها للأجيال المقبلة، تجسيدًا لشعار هذا العام: «نافذتك إلى العالم».