أم كلثوم تغني لحنا لم تسمعه، وعبد الحليم حافظ يؤدي أغنيات ظهرت بعد رحيله بسنوات طويلة.
مشاهد صنعتها تقنيات الذكاء الاصطناعي، وفتحت مواجهة تتجاوز الإعجاب بقدرات التكنولوجيا إلى سؤال أكثر حساسية: من يملك حق جعل فنان يغني ما لم يختره يوما؟.
بين الرغبة في استعادة أصوات أحبها الجمهور والخوف من استغلال أصحابها، تتداخل حقوق الورثة وشركات الإنتاج والشعراء والملحنين. فالأغنية ليست صوتا وحده، وامتلاك أدوات المحاكاة لا يمنح مستخدمها تلقائيا حق التصرف في التسجيلات أو نسب أعمال جديدة إلى أصحاب الأصوات الأصلية.
أم كلثوم والعندليب في قلب المواجهة
في مايو 2023، أثار الملحن عمرو مصطفى جدلا بعدما نشر مقطعًا ترويجيا لأغنية "أفتكرلك إيه"، مستخدمًا صوتًا يحاكي أم كلثوم بالذكاء الاصطناعي.
وقدم التجربة باعتبارها محاولة لمعرفة كيف ستبدو ألحانه بصوت كوكب الشرق، لكن اعتراضات أسرتها حولت الإعلان إلى أزمة انتهت بتراجعه عن تقديم الأغنية وحذف المنشور.
وطالت التجارب عبد الحليم حافظ أيضا؛ إذ ظهرت مقاطع تحاكي صوته في أغنيات لعمرو دياب، بينها "ما يتحكيش عليها" و"شكرا من هنا لبكرة".
وفي بيان نُشر في مايو 2023، أعلن محمد شبانة نجل شقيق العندليب، رفض الأسرة تركيب صوته على أغنيات حديثة، وهدد باتخاذ إجراءات قانونية، معتبرا ذلك تشويهًا لتاريخه الفني.
وتجدد الاعتراض في يونيو من العام نفسه، مع تداول مقطع لأغنية "مسا مني ليكو" لعصام صاصا، نُسب إلى صوت العندليب.
وأعلن شبانة عزمه التحرك قانونيا، لكنه شكك أيضا في جودة المحاكاة، مؤكدا أن الصوت المتداول لا يشبه عبد الحليم.
وهنا تظهر مشكلة إضافية: استغلال اسم الفنان وصورته لتسويق محتوى قد لا يقنع المستمع أصلا.
هل تمنح المحاكاة أصحابها حق الاستخدام؟
في مصر، يمنح قانون حماية حقوق الملكية الفكرية رقم 82 لسنة 2002 فناني الأداء وخلفهم العام حقوقا أدبية دائمة، تشمل نسبة الأداء إليهم ومنع تحريفه.
وينظم كذلك الحقوق المالية للأداء والتسجيلات، إلى جانب الحقوق المستقلة للكلمات والألحان؛ لذلك لا تكفي موافقة جهة واحدة بالضرورة لتسوية جميع حقوق العمل.
لكن حماية تسجيل قائم تختلف عن حسم مشروعية صوت اصطناعي جديد يشبه فنانا.
كما أن الحقوق المالية ليست أبدية؛ فالمادة 166 تحدد حماية الأداء بخمسين سنة من تاريخ حدوثه أو تسجيله بحسب الأحوال.
وعليه، يجب فحص كل حالة وعقودها ومدد حمايتها، ولا يصح اختزال المسألة في ملكية الورثة المطلقة للصوت، أو إباحته للجميع بمجرد وفاة صاحبه.
أزمة عالمية تتجاوز حدود الأغنية العربية
عالميا، جسدت أغنية "هارت أون ماي سليف" الأزمة في أبريل 2023، بعدما استخدمت أصواتا تحاكي دريك وذا ويكند، وانتشرت قبل إزالتها من منصات موسيقية عقب اعتراضات مجموعة يونيفرسال ميوزيك.
وأظهرت الواقعة قدرة أغنية لم يؤدها النجمان على جذب جمهور واسع باسميهما.
وفي يوليو 2024، أوصى مكتب حقوق النشر الأمريكي بتشريع اتحادي لمواجهة توزيع النسخ الرقمية غير المصرح بها، مشيرا إلى فجوات الحماية القانونية.
وتكشف هذه الوقائع جوهر النزاع.. كيف يمكن إتاحة التجريب الفني، مع حماية الفنان والجمهور من أعمال توحي بمشاركة لم تحدث، وتحويل الحنين إلى سوق تستثمر فيه أصوات الغائبين دون إرادتهم؟.
أ ح د / أ د ه