تتجه الأنظار إلى العاصمة الإماراتية أبوظبي، مع الاستعداد لعقد محادثات ثلاثية تجمع الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا يومي 10 و11 نوفمبر الجاري، في محاولة جديدة لدفع المسار الدبلوماسي نحو إنهاء الحرب المستمرة منذ فبراير 2022، وسط خلافات معقدة بشأن مستقبل الأراضي الأوكرانية والضمانات الأمنية وترتيبات ما بعد الحرب.
وتأتي المحادثات المرتقبة بوساطة أمريكية، حيث أعلن المبعوث الأمريكي الخاص ستيف ويتكوف أن المناقشات ستتناول الترتيبات الأمنية في مرحلة ما بعد الحرب، وخفض التصعيد، والجهود الإنسانية، والخطوات المقبلة نحو السلام، فيما أكد الكرملين مشاركة الوفد الروسي برئاسة مساعد الرئيس الروسي فلاديمير ميدينسكي.
ولا تقتصر أهمية اجتماع أبوظبي على إمكانية التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، وإنما تمتد إلى مستقبل الأمن الأوروبي، وطبيعة العلاقة بين موسكو والغرب، ومدى قدرة الأطراف المعنية على إعادة صياغة التوازنات الاستراتيجية في القارة الأوروبية.
وفي هذا السياق، طرح الدكتور أحمد ماهر أبو جبل، الخبير في إدارة الأزمات والمخاطر الاستراتيجية، ثلاثة سيناريوهات رئيسية لمستقبل الحرب الروسية الأوكرانية، تتراوح بين اتساع نطاق المواجهة، والتوصل إلى تسوية سياسية قائمة على تنازلات متبادلة، واستمرار حرب الاستنزاف حتى تتغير موازين القوى.
السيناريو الأول.. فشل المفاوضات واحتمالات اتساع المواجهة
يرى أبو جبل أن السيناريو الأول يتمثل في فشل المفاوضات واستمرار التصعيد العسكري والسياسي، بما قد يدفع الصراع تدريجيًا إلى مواجهة أوسع بين روسيا والاتحاد الأوروبي، وربما حلف شمال الأطلسي «الناتو».
ويحذر من أن تجاوز الدعم الغربي لأوكرانيا الخطوط الحمراء الروسية، أو وقوع احتكاك عسكري مباشر بين موسكو وأحد أعضاء الحلف، قد يرفع احتمالات اتساع المواجهة، خاصة في ظل غياب آليات فعالة لاحتواء التصعيد أو حدوث أخطاء في تقدير المواقف الاستراتيجية.
وبحسب هذه الرؤية، فإن استمرار المواجهات دون قنوات تفاوضية فعالة قد ينقل الحرب من نطاقها الإقليمي إلى صراع دولي أوسع، وصولًا إلى احتمالات مواجهة عالمية، وهو السيناريو الأكثر خطورة، وإن لم يكن بالضرورة الأكثر ترجيحًا.
السيناريو الثاني.. تسوية سياسية بتنازلات استراتيجية متبادلة
أما السيناريو الثاني، فيقوم على إمكانية التوصل إلى اتفاق ينهي العمليات العسكرية أو يوقفها بصورة مستدامة، من خلال صيغة تتضمن تنازلات وترتيبات أمنية وسياسية متبادلة بين موسكو وكييف.
ويوضح أبو جبل أن هذه التسوية قد تتيح لروسيا الاحتفاظ بجانب مهم من المكاسب التي حققتها على الأرض، وفي مقدمتها الأراضي التي تسيطر عليها، والتي يقدرها بنحو 20% من مساحة أوكرانيا، مع تأجيل أو تجاوز مسألة الاعتراف القانوني النهائي بالسيادة الروسية عليها.
وفي المقابل، قد تتضمن التسوية ضمانات تتعلق بعدم انضمام أوكرانيا إلى حلف شمال الأطلسي مستقبلًا، إلى جانب وضع قيود على امتلاك أو نشر أنواع معينة من الأسلحة والمنظومات العسكرية التي تعتبرها موسكو تهديدًا لأمنها الاستراتيجي.
وعلى الجانب الآخر، قد تحصل كييف على ضمانات أمنية أوروبية ودولية لحماية استقلالها وسيادتها، ومنع التدخل الروسي في شؤونها الداخلية أو فرض توجهات سياسية عليها، إلى جانب ترتيبات متبادلة تضمن عدم استخدام أراضي أي من الطرفين للإضرار بأمن الطرف الآخر.
ويشير الخبير إلى أن هذا السيناريو قد يفضي إلى إعادة صياغة المعادلة الأمنية في شرق أوروبا، بحيث تتوقف الحرب مقابل ترتيبات جديدة لتوزيع النفوذ وتقديم الضمانات الأمنية، إلا أن الوصول إلى هذه الصيغة يظل مرهونًا بقدرة الأطراف على تجاوز الخلافات الجوهرية بشأن الأراضي ومستقبل أوكرانيا العسكري والسياسي.
السيناريو الثالث.. حرب استنزاف وتجميد الصراع حتى تغير موازين القوى
ويعتبر أبو جبل أن استمرار الاستنزاف وتجميد الصراع حتى تتغير موازين القوى من السيناريوهات المهمة عند قراءة مستقبل الحرب، إذ تستمر العمليات العسكرية دون التوصل إلى اتفاق نهائي، مع استمرار التقدم الروسي التدريجي على الأرض، مقابل استنزاف القدرات العسكرية والاقتصادية والبشرية الأوكرانية.
لكن العامل الحاسم في هذا المسار، وفقًا لتقديره، لن يكون عسكريًا فقط، وإنما يرتبط أيضًا بالتطورات السياسية والاقتصادية داخل أوروبا، ومدى قدرة الدول الأوروبية على مواصلة تحمل تكلفة الحرب.
ويشير إلى أن استمرار الصراع يفرض أعباء متزايدة على المواطن الأوروبي، سواء من خلال تكاليف الطاقة والمعيشة، أو زيادة الإنفاق الدفاعي، أو التداعيات الاقتصادية غير المباشرة للحرب، وهو ما قد يؤدي مع مرور الوقت إلى تراجع التأييد الشعبي لاستمرارها، وتصاعد الاحتجاجات الرافضة لتحمل مزيد من التكاليف.
ويربط الخبير بين هذه الضغوط واحتمالات صعود الأحزاب اليمينية والقومية والشعبوية في عدد من الدول الأوروبية، خاصة التي تتبنى مواقف أكثر تحفظًا تجاه استمرار الدعم العسكري والاقتصادي لأوكرانيا، أو تدعو إلى إعادة بناء العلاقات مع روسيا.
وبحسب هذه القراءة، قد تنعكس التحولات السياسية داخل أوروبا على سياسات الحكومات ومستوى الدعم المقدم لكييف، بما يضعف قدرتها على مواصلة المواجهة، ويؤثر في موقفها التفاوضي مستقبلًا.
ويزداد تأثير هذا السيناريو، وفقًا لأبو جبل، إذا قررت الولايات المتحدة إعادة ترتيب أولوياتها الاستراتيجية وتقليص التزاماتها الأمنية تجاه حلفائها الأوروبيين، وهو ما قد يضع القارة أمام تحدٍ يتعلق بقدرتها على تحمل مسؤولية أمنها بصورة أكثر استقلالًا.
وفي هذه الحالة، قد تجد أوكرانيا نفسها أمام تراجع تدريجي في الدعم الخارجي بالتزامن مع استمرار الاستنزاف الميداني، الأمر الذي قد يضعف قدرتها التفاوضية ويدفع نحو تسوية أقرب إلى المصالح الروسية.
هل تملك واشنطن مفتاح إنهاء الحرب؟
وفي قراءته لموازين القوى، يرى أبو جبل أن الصراع لم يعد يدور فقط حول الأراضي الأوكرانية، وإنما أصبح مرتبطًا بقدرة كل طرف على تحمل تكلفة الحرب، والحفاظ على تماسك تحالفاته، وإدارة جبهته الداخلية، وتوظيف الوقت باعتباره أداة من أدوات الصراع.
فروسيا، بحسب تقديره، تراهن على استنزاف القدرات الأوكرانية وتراجع الإرادة السياسية الغربية بمرور الوقت، بينما تراهن كييف على استمرار الدعم الغربي ومنع موسكو من تحويل مكاسبها العسكرية إلى واقع سياسي دائم.
أما أوروبا، فتواجه اختبارًا استراتيجيًا بين الحفاظ على التزاماتها تجاه أوكرانيا، وحماية استقرارها الاقتصادي والاجتماعي وأمنها القومي، في حين تظل الولايات المتحدة الطرف الأكثر تأثيرًا في تحديد اتجاه الصراع، بالنظر إلى قدرتها على التأثير في مستوى الدعم العسكري والسياسي، وكذلك فرص الوصول إلى تسوية.
ماذا يمكن أن ينتج عن اجتماع أبوظبي؟
مع اقتراب موعد المحادثات الثلاثية، يطرح الخبير سؤالًا يتجاوز احتمالات نجاح الاجتماع أو فشله: هل تتجه الأطراف إلى تسوية استراتيجية تعيد رسم خريطة النفوذ في أوروبا، أم إلى هدنة مؤقتة، أم أن كل طرف لا يزال يراهن على انهيار قدرة الطرف الآخر على الاستمرار؟
ويؤكد أبو جبل أن القوة العسكرية وحدها لا تحدد النتائج النهائية للحروب الممتدة، بل تتداخل معها الإرادة السياسية، والقدرة الاقتصادية، وتماسك التحالفات، ومدى استعداد الأطراف لتحمل تكاليف الصراع لفترات طويلة.
ومن ثم، فإن نتائج اجتماع أبوظبي لن تتوقف أهميتها عند مستقبل العمليات العسكرية في أوكرانيا، وإنما قد تمتد إلى شكل العلاقات بين روسيا والغرب، ومستقبل منظومة الأمن الأوروبي، وطبيعة التوازنات الدولية خلال السنوات المقبلة.

الدكتور أحمد ماهر أبو جبل
الخبير في إدارة الأزمات والمخاطر الاستراتيجية



