ﻣﻮﻗﻊ ﺻﺪﻱ اﻟﺒﻠﺪ

صدى البلد
الإشراف العام
إلهام أبو الفتح
رئيس التحرير
أحمــد صبـري
مدير التحرير
صفاء نوار

عباس محمود العقاد.. وقفة مع عملاق الفكر العربي

إبراهيم شعبان

إبراهيم شعبان

السبت 11/مايو/2019 - 11:48 ص
لا يعد العملاق، عباس محمود العقاد، واحدًا من أبرز كتاب القرن العشرين فقط، ولكنه واحدًا من أبرز كتاب الإنسانية جمعاء، فاسمه معروف ومشهور و"خالد" بين نحو 400 مليون عربي يعرفون العقاد، علاوة على أن العديد من كتبه ومؤلفاته ودواوينه الشعرية ترجمت إلى العديد من اللغات الأجنبية، واللغات الشرقية فكان ولا يزال واحدًا من الكتاب العالميين والأسماء الكبرى في تاريخ الثقافة الإنسانية خلال القرن العشرين.

أمثال العملاق، محمود عباس العقاد، معدودين على أصابع اليدين في تاريخ العالم. فهو موسوعي الثقافة استطاع عبر نحو 100 كتاب وآلاف المقالات، أن يغرس شجرة مثمرة في حديقة المعرفة يقتات منها الدارسون والباحثون والقراء على مدى عقود.

واذا كان لي أن أتوقف هنا بعد أكثر من نصف قرن على وفاة العقاد. فإن الحديث لن يتوقف أمام حياته والصعوبات التي مر بها هذا "الفذ" في عصره. فقد أنتجت قصة حياته في مسلسل تلفزيوني حمل اسمه. كما أن قصة معاناته منذ نشأته في أسوان عام 1889 وحتى وفاته في عام 1964 معروفة ، فالرجل لم يكمل تعليمه لكن حبه للثقافة والمعرفة دفعه ليكون أفضل من ألف دكتور جامعي. كتب في شتى مجالات الفكر والعلوم وأسس مدرسة فكرية قائمة بذاتها.

فالعقاد كتب في الأدب والشعر والفلسفة والفكر، وفي كل الميادين كان كاتبًا جبارًا لا يضاهى.

وفي هذه المناسبة، نقف أمام باب شهير كتب فيه عباس محمود العقاد، وهو باب الإسلاميات، الذي برع فيه العقاد.

فكتب فيه سلسة العبقريات، التي تعد أبسط وأسهل وأعمق كتب في مضمار السيرة. فعبقرية محمد، وعبقرية عمر، وعبقرية الصديق، وعبقرية الإمام، وكتابه "الله"، وغيرها كانت دراسات فكرية بامتياز.

فوقفة العقاد، امام الرموز الإسلامية، وأمام أنبياء الله، سيدنا محمد وعيسى عليه السلام، وابراهيم أبو الأنبياء. لم تكن فقط مجرد سرد لحيواتهم ورحلاتهم مع الدعوة والتبليغ، ولكنها كانت قراءة في المشاق والصعوبات وكيفية قيامهم بآداء رسالتهم على أبلغ وجه.

وكذلك جاءت النظرة للصحابة عليهم السلام جميعًا. فالعقاد كان واحدا ممن أسسوا للنهضة الفكرية الحديثة، وممن أخرجوا هذه الشخصيات التاريخية من بطون الكتب لتقرأ في لغة عربية حديثة وبفكر جديد، يختلف عما كان موجودا في القرن ال19 وبدايات النهضة الحديثة، بعدما مجىء الحملة الفرنسية إلى مصر.

ولا يمكن تلخيص كتب الاسلإميات، بأي حال من الأحوال لأنها بالفعل قطع أدبية وفكرية متوهجة، وتُقرأ لحالها وقت صدورها كما تقرأ اليوم بالضبط بسبب موسوعيتها ودقتها وشمولها.

العقاد كتب أيضا كتابه الشهير"إبليس" وكتابه الانسان في القرآن، وكتابه المرأة في القرآن.

كان للعقاد، موقف رصين من شتى القضايا الكبرى، يعرف في الأوساط الفكرية بالكاتب الجبّار، الذي رفض الشيوعية والوجودية ودافع باستماتة عن الإسلام.

وكما كتب في الإسلام والديانات، كتب في السياسة وتوقف بجرأة أمام شخصيات عصره وقضاياه السياسية، فكتب "هتلر في الميزان"، وهاجم النازية رغم أن المصريون كان معجبون بها آنذاك ضد الاحتلال البريطاني. وكتب "غاندي"، ورفض و"الحكم المطلق"، وكتب "سعد زعلول" و"عاهل الجزيرة".

حتى ليقال، إن العقاد في عصره أغلق أبواب الفكر والثقافة والفلسفة والأدب على نفسه، فما من موضوع وما من قضية كبرى تثار إلا وكان العقاد الأسبق اليها بكتب موسوعية شاملة ورؤى واضحة.

والمتعة كل المتعة، أن تتجول في عناوين كتبه على اختلافها والموازييك الفكري فيها، "معاوية في الميزان" ، و"القرن العشرين" و"عبد الرحمن الكواكبي"، والاسلام والاستعمار والديمقراطية في الإسلام.

يُشهد للعقاد في مضامير فكرية عدة، لكن دفاعه عن الديمقراطية وقولته المشهورة ضد الملك تحت قبة البرلمان، "إن الأمة على استعداد لأن تسحق أكبر رأس في البلاد يخون الدستور ولا يصونه"، حتى سجن 9 أشهر بتهمة العيب في الذات الملكية، تكشف عن ايمانه المطلق بالدستور والديمقراطية، وقد كانت أنذاك معركة الدستور مستعرة ودفاعه عن الديمقراطية، وثبات كتاباته وروعتها وتجلياتها عن الإسلام، يؤكد أن قلعته الفكرية لم تتلون ولم تتغير ولكنها كانت تعلوا بحياته وإضافاته. فهو لم يكن في بداياته شىء وفي أخريات حياته شىء آخر.

الأدب والثقافة والشعر كان أيضا مجالًا خصبًا، لفكر عباس محمود العقاد، فهو من أسس مدرسة "الديوان"، وقاد الدفاع عن الشعر الحر في معركة شعرية مهيبة في طليعة القرن العشرين.

ومن دواوينه "عابر سبيل"، و"أشجان الليل"، وهدية الكروان ووهج الظهيرة، ومن كتبه الأدبية ابن الرومي وأبو نواس والتعريف بشكسبير، وبرنارد شو، والثقافة العربية، ورجعة أبي العلاء وغيرها من العناوين.

كان العقاد أيضا واحدًا من كبار المدافعين عن الحضارة العربية ومنها كتابه ابن سينا أثر العرب في الحضارة الأوروبية، وكتابه الآخر الثقافة العربية أسبق من الثقافة اليونانية والعبرية، وغيرها وغيرها من العناوين والكتب التي سطرت حياة عملاق الفكر العربي عباس محمود العقاد..

لكن ماذا بعد؟ وماذا كان الغرض وراء الرحلة السريعة في فكر العقاد؟

الغرض كان الإبحار معًا مستمتعين ببعض عناوين وأفكار وكتب ومعارك العقاد، والآخر الاحتفاء مجددًا بهذه القامة الفكرية والتذكير ببعض عناوينه الإسلامية، التي تقرأ في هذا الشهر الكريم ودوره كواحد من التنويريين العظام في حياة مصر والأمة العربية.

ورأيي أنه مع العقود الأولى من القرن الواحد والعشرين، فإن هناك حاجة مصرية وعربية، لإعادة تجديد الفكر العربي والوقوف معا أمام رموز الفكر والتذكير بهم، وبأفكارهم وإحياء تراث النهضة المصرية. وهذا في رأيي، الطريق الوحيد للوقوف أمام الإرهاب والفوضوية والتخلف والشعبوية التي تسيطر على الخطاب الحالي.

ads