كزائر خفي تقتحم الإعلامية والكاتبة "بسنت عثمان" الجدران وتكشف عن أسرار كل بيت وذلك من خلال كتابها الثاني " حواديت مستورة" والصادر عن دار " لوتس " للنشر والتوزيع والذي تقول فيه "وراء كل بيت حكاية هى في الأصل حكاية حياة".. وبعين فنان مرهف الحس، يلتقط أدق التفاصيل قسمت الكاتبة مدونتها القصصية إلى خمسة تابلوهات متنوعة، تستحق التأمل والتمعن حيث ترسخ المواعظ والقيم من خلال قصص مشوقة رواها أبطالها بلغة سلسة مكتوبة بانسيابية ونعومة تنم عن ذكاء الكاتبة المهمومة بقضايا مجتمعها والتي تبدأ من "الأسرة" وكأنها طبيب حاذق يكتشف بسهولة أصل الداء، ورغم تنويهها في مقدمة كتابها إن "حكاياتها" من وحى خيالها وهو لا شك فيه ولكن القارئ ليكاد يجزم بأنها أحداثا حقيقية.
وبداية من الغلاف الذي يحمل روح التفاؤل والذي يزينه صورة جميلة للكاتبة ذات الابتسامة المشرقة، في حين أن اسم الكتاب يبعث على الفضول فكلمة "حواديت" تثير الرغبة في المعرفة وكلمة "مستورة" تجعل القارئ يرغب في اكتشاف الأسرار والخبايا، ومرورا بالأهداء الأول والذي يدل على قيمة الأسرة عند مؤلفة العمل أما الأهداء الثاني فيشير إلى أبطال حواديتها وهن النساء صاحبات تلك الحكايات والتي دفعن لها ثمنا ما، وكأنها تستزيد من فضول القارئ.
وقد تنوعت شخصية المرأة داخل العمل، حيث تعرضت لخمسة نماذج هن محور الأحداث فقدمت الابنة المراهقة المتمردة على أمها، والأم الصبورة على متاعب الحياة توازيها المرأة المحبة التي تقف بجوار حبيبها رغم فقره ومرضه واختلاف ثقافته وجنسيته، كما جسدت معنى العطاء المتبادل بين امرأتين أحدهما ساعدت غريبا في الطريق وبالمقابل كانت الأستاذة الجامعية الشابة التي تقف بجوار أحد طلابها، ثم عرضت نموذجين متناقضين بدأته بزوجة متسلطة عنيدة تفقد زوجها الحنون بكثرة جفائها وانتهت بأخري مطيعة لزوج قاسي لا يعرف معنى الرحمة.
وقد جاءت التابلوهات الخمسة مرتبة ترتيبا جاذبا، كما ينتهى كل تابلوه بحزمة من الأقوال والحكم، فجاء التابلوه الأول معنونا باسم "يا ريت اللي جرى ما كان": وهو عنوان يشير إلى الندم وسرعان ما كشفت السطور الأولي للبطلة صاحبة الخمس عشرة عاما، عن مشاكل سن المراهقة وعلاقة الفتاة بأمها في هذه السن الحرجة والذي يصل إلى حد النقد والتجاوز واللامبالاة تجاه تضحيات الأم أو الأب، لتقدم الكاتبة نموذج متكرر من جيل يتسم بالعند وكثرة الشكوى والرفض لأي نصيحة،ومن خلال الحوار السلس نكتشف طريقة تفكيرهذا السن وعاداته السيئة ورغبة اصحابه في التحرر من قيود الأهل مع استنزافهم ماديا وعاطفيا في نفس الوقت وهو ما يعتبر جرس إنذار لكل بيت.
أما التابلوه الثاني وهو بعنوان "القسمة والنصيب": حيث تبدأ الكاتبة بافشاء سر النجاح في الحياة، وتناولت شخصية راضي "وهو اسم على مسمى" لشاب ضعيف الهيئة من أسرة متوسطة بسيطة، حيث تلقي الضوء على متاعب تلك الطبقة ومعاناتهم، فالأب يعمل في وظيفتين والأم المدبرة التي تعتمد على "الجمعيات" لتوفير احتياجاتهم،وراضي لم يستسلم لظروفه بل تحمل المسئولية مبكرا وسافر وكافح في الغربة حتى قابل قسمته ونصيبه والتى كانت عونا له فى اجتيازأشد الصعوبات وهو "المرض".
التابلوه الثالث " حكايات رد الجميل وجبر الجوابر": وتروي الكاتبة حكاية تفاني لأب حنون شديد عطاء ولكنه يسقط فجأة وسط جمهور من متفرجى الشارع المزدحم لتقف ابنته وابنه في حيرة ماذا يفعلان؟! حتي يهبط ملاك الرحمة وتدور عجلة الزمان لترد الابنة الجميل.
التابلوه الرابع "عقدة الذنب" : أختلفت الرؤية قليلا حيث عرضت نموذج سلبي متشبع بالأنانية والتحكم لزوجة متسلطة ومعقدة لا تعرف غيرالتكبر والعناد حتى تفقد حب عمرها ولكن الرياح تأتي بما لا تشتهى السفن فيهرب زوجها لأخرى بعد شعورها بالذنب.
التابلوه الخامس "عذاب رشا ومصيرها المجهول" : وهو تابلوه جاء مناقضا للتابلوه السابق، فالزوجة تحاول استرضاء زوجها وحماتها بكل الوسائل الممكنة حتى تحولت لخادمة مميكنة مع مرور الوقت ولم يشفع لها ذلك إذا أسود وجه زوجها عندما علم بحملها في أنثي وهنا كانت لحظة الفراق وتجسيد للعدل الألهى فى أروع صورة، ورغم أن النصيب قد أوجع بطلة العمل إلا أن " الأمل" كان هو نهاية الرحلة.
فى النهاية نستطيع أن نرفع القبعة للكاتبة "بسنت عثمان" تلك الزهرة الناعمة والجميلة ذات الرائحة العطرة والتى صبغت قدرتها على تقديم قصص واقعية عميقة بلغة رشيقة ممتعة تضم فى محتواها قيم ومعاني ودروس لا تخل بالبناء الدرامى للقصة.