على الطريق الزراعي القاهرة - الإسكندرية أمام مدينة دمنهور العريقة، يبدو هذا البناء الشامخ الذي تتبلور معالمه وتتشكل ماهيته يومًا بعد يوم، هذا البناء الضخم الذي طال الحديث عنه وارتفعت الأصوات للمطالبة به لتغيير استراتيجية ومفهوم الرعاية الصحية بمحافظة البحيرة .. إنه المشروع القومي الإقليمي الذي حلمت به الملايين من شعب البحيرة حتى بات واقعًا ينمو وحقيقة تبصرها الأعين.
مستشفى دمنهور الجامعي، هذا الصرح الذي سيعمل بالتوازي مع افتتاح كلية الطب بجامعة دمنهور، لتكتمل شمولية الرسالة الجامعية لجامعة دمنهور التي تخدم محافظة من أكبر محافظات مصر، لكنها للأسف تأخرت زمنًا قبل أن تشق لنفسها سبيلًا وتحمل على عاتقها خدمة المواطنين بما تمتلك من عقولٍ باحثة وإمكانات متطورة، وقد بدا ذلك جليًا في قوافل الرعايات البيطرية والمبادرات التمريضية ومبادرات التوعية ودعم المزارعين بما يتسق مع المفهوم الشامل للرسالة الجامعية التي لا تنحصر بين جدران الجامعة وأسوار الكليات.
لم يكن ينقص هذا الكيان التعليمي الزاهر سوى كلية طب ومستشفى جامعي، فما تحقق على مستويات أخرى يجعل الناظر والمراقب متيقنًا بأن هذا الصرح التعليمي قادر على قيادة أكبر مستشفى جامعي في دلتا مصر، من حيث الإدارة والتشغيل وجذب الكوادر الطبية الماهرة وتقديم خدمة صحية مغايرة وتخفيف الضغوط المتزايدة على مستشفيات وزارة الصحة بنطاق المحافظة والمحافظات المجاورة.
وربما تأخُر المشروع فترة من الزمن، أكسبه مميزات أخرى، أهمها اختبار التجربة نفسها، فنجاح الجامعة في إدارة كل مكوناتها الخدمية المتصلة بالجماهير، أكسبها الثقة، بل كل الثقة واليقين بأنها قادرة على النجاح في هذه الخطوة العظيمة، وربما كان التأخير أيضا سببًا في الأخذ بكل أسباب التطور والحداثة، ومعلوم أن ما يُبنى حديثًا ينشأ متطورًا وراقيًا ومتقدمًا على غيره، فضلا عن إنشائه وفقًا للاحتياج الحالي والمعطيانت الآنية.
مشروع مستشفى دمهور الجامعي، بالطبع لن يقف عند حدود محافظة البحيرة وحدها، فالموقع الاستراتيجي يجعله متوسطًا لـ 4 محافظات وهي البحيرة والاسكندرية وكفر الشيخ والغربية حيث لا يتعدى الوصول للمستشفى 30 دقيقة من هذه المحافظات، وتوسط الموقع للطريق الزراعي يجعله مشروعًا قوميًا إقليميًا على مستوى الدلتا، فكم احتاج هذا الطريق لصرح كهذا في حالات الطوارئ والرعاية العاجلة، زد على ذلك أن المستشفى التي ستبنى من 8 أدوار على مساحة كبيرة جدا تضم كافة التخصصات ستكون قادرة على تحقيق الاكتفاء من الخدمات الصحية للمواطنين، وهي نفس الرؤية التي تتبناها الدولة لرفع كفاءة منظومة الصحة على كافة المستويات.
ولا شك أنه على مدار عقود من الزمن، لم تكن البحيرة على موعد مع إنجاز كبير ومشروع قومي، بقدر هذا الموعد الذي سيصبح تاريخًا يؤصل لما بعده من تطور وحداثة، لا سيمًا وأن هذا المستشفى سيجر معه خدمات عمرانية وتسويقية ممتدة على جانبي الطريق الزراعي.
إذن.. نحن أمام مشروع يجب أن يتكاتف الجميع لإنجاحه، فالجهود الحكومية المبذولة من خلال الجامعة ووزارة التعليم العالي، يجب أن توازيها جهود أهلية وشعبية تُعجّل من الجدول الزمني لاكتمال المستشفى، وتجعل منه صرحًا شاهدًا على عظمة شعب البحيرة وتاريخه العبِق واندفاعه المحمود نحو الخير والبر والبناء والإنجاز.